(( ولا ترد مسلمًا ) ). ثم قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -في علاج ما يقع في النفس من طلب العودة والرجوع عن العمل بسبب الطيرة-: (( فإذا رأى أحدكم ما يكره ) )وهاذا فيه أن الغالب في الطيرة مرئي، وإلا فإنه يصدق على ما إذا سمع أيضًا ما يكره (( فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت ) )الحسنات: جمع حسنة، ومعناها: النعم بجميع أنواعها، النعم الدينية والنعم الدنيوية (( لا يأتي بالحسنات إلا أنت ) )وهاذا فيه تفويض الأمر إلى الله -جل وعلا-، وأنه -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- بيده الخير كله، فلا يأتي بالخير إلا الله جل وعلا.
(( ولا يدفع السيئات ) )؛ (( السيئات ) ): جمع سيئة، والمراد بها هنا المصائب، ليس السيئات المعاصي فقط؛ بل المصائب ومن جملتها المعاصي (( ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك ) )أي لا تحول من حال إلى حال ولا قوة على هاذا التحول إلا بك، وهاذا فيه كمال التفويض إلى الله عز وجل.
وبه نعرف أنّ العمل بالطيرة قدح في التوكل؛ لأن من ظن أن الطيرة سبب لشر فإنه في الحقيقة قد وَهَى وضعف توكله على الله عز وجل، إذ لو صدق في توكله واعتماده وانجذابه إلى الله عز وجل وركونه إليه لما جعل ذلك سببًا للامتناع، ولعلم أن الخير كله بيد الله عز وجل: (( لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع ) ).
يقول: (وله) لأبي داود (من حديث ابن مسعود مرفوعًا:(( الطيرة شرك، الطيرة شرك ) )). وهاذا فيه الحكم على الطيرة، وأنها شرك، وهو يحتمل أن الطيرة شرك أصغر ويحتمل أن الطيرة شرك أكبر وهو كذلك، فالطيرة قد تكون شركًا أصغر وقد تكون شركًا أكبر باعتبار ما يقوم بقلب المتطير.
فمن اعتقد أن مرور الطير من جهة اليسار إلى اليمين شؤم يمنعه من العمل فهاذا شرك أصغر؛ لأنه اعتقد أن هاذا سبب للشؤم، لكن من اعتقد أن حركة الطير هي التي توجد الخير وتوجد الشر فهاذا شرك أكبر.