قال: (( إنما الطيرة ما أمضاك أو ردك ) )وهاذا مصداق ما قلنا قبل قليل من أن الطيرة تصدق على التيامن وعلى التشاؤم؛ لأن الذي يمضي الإنسان يمضيه يجعله يمشي ويسير في قصده وغرضه شؤم أو يمن؟ يُمن، والذي يرده ويمنعه شؤم، فهاذا فيه بيان أن الطيرة تطلق على المعنيين على التيامن وعلى التشاؤم، وأن ما أمضى الإنسان كالذي يرده، لكن انتبه! الذي يمضي باعثًا آمرًا، أما الذي يمضي موافقًا فإنه لا حرج فيه، وهو من الفأل الذي بين رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- جوازه، وبين أنه أحسن الطيرة وأنه يعجبه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.
وبهاذا يكون قد تم هاذا الباب، نعم بقي الجواب على الرواية التي فيها أن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: (( إنما الشؤم في ثلاثة: المرأة والمسكن والدابة ) )وفي رواية مسلم بدل (( المرأة ) ): (( الخادم ) ).
هاذا فيه إثبات الطيرة؛ لأن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أثبت الشّؤم، فما الجمع بين الأحاديث التي فيها نفي الطيرة والأحاديث التي فيها إثبات الطيرة؟
أولًا اعلم أن هاذه الرواية جاءت بصيغتين، الصيغة الأولى صيغة الجزم، يعني الخبر الجازم: (( الشؤم في ثلاثة، أو: إنما الشؤم في ثلاثة ) )، والصيغة الثانية التي جاء بها هاذا الخبر معلقًا بصيغة: (( إن يكن الشؤم في شيء ففي ثلاثة ) )والعلماء الذين حاولوا الجمع بين الأحاديث غلَّطوا رواية الجزم، قال بعضهم: إن رواية الجزم ليست بصحيحة، وإنما الصحيح التعليق: (( إن يكن الشؤم في شيء ) )وهاذا ليس جزمًا، هاذا يقول: إن كان هناك شؤم أو يمكن أن يقع شؤم فهو في هاذه الأشياء الثلاثة، وليس في هاذا إثبات للشؤم وإنما فيه أنه إن وقع فهو أحرى وأولى ما يكون ويقع في هاذه الأمور الثلاثة.