هاذا الباب مناسبته لكتاب التوحيد ظاهرة: فإنَّ العبادة قوامها على المحبّة والتعظيم، على غاية الذل، وغاية المحبة، أي: منتهى المحبة، ومنتهى التعظيم، ومنتهى الذل لله جل وعلا، فالمحبة هي ساق العبادة وقطبها الذي لا تقر ولا تثبت إلا به.
ولذلك ذكر المؤلف -رحمه الله- المحبة في كتاب التوحيد، وذكر أن الشرك فيها، أن تسوية غير الله -عز وجل- به في هاذا الشأن ممّا يخرج الإنسان عن التوحيد، ومما يوقعه في الشرك، فهاذه مناسبته لكتاب التوحيد.
أما مناسبته للأبواب التي قبله: فلم يظهر لي مناسبة واضحة تربطه بالباب السابق والأبواب التي قبله، لكن هاذا الباب مبدأ لذكر الشرك في أعمال القلوب، وإن كان السابق فيه نوع صلة بالقلب؛ لأنّ الشرك في الحقيقة محله في الأصل القلب، فإذا اختل التوحيد في القلب ظهرت علامات الشرك في القول وفي الفعل، وفي صرف العبادة وغير ذلك، لكن هنا في أعمال خفية لا يدركها كل أحد، وإن كانت تظهر آثارها، لكن هي في الأصل من أعمال القلوب، ولذلك هنا بدأ المؤلف -رحمه الله- بذكر المحبة، ثم يأتي الخوف، ثم تأتي الأعمال الأخرى المتعلقة بعمل القلب.
يقول رحمه الله: (باب قول الله تعالى) ترجم المؤلف -رحمه الله- لهاذا الباب بآية من كتاب الله عز وجل، وهاذا من حسن تصنيفه -رحمه الله- أنه جعل بعض تراجم الأبواب آيات ليدل بها على مضمون الباب، من ذلك هاذا الباب حيث قال المؤلف رحمه الله: (باب قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ} ) .
{مِنَ} هنا للتبعيض، و {النَّاسِ} يشمل الإنس والجن، لكنه ذكر الناس هنا لأنه هو الغالب فيهم، والجن تابعون للإنس في هاذا الحكم.
{مَن يَتَّخِذُ} يعني: يجعل ويصير.
{مِن دُونِ اللّهِ} أي: من غيره جل وعلا.