أن يريد بعمله الدنيا من كل وجه، يعني: ليس له غرض في الآخرة، إنما غرضه في الدنيا، وهاذا الذي يصدق عليه قول الله -جل وعلا- في الآية التي ذكرها المؤلف رحمه الله: {مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} .
القسم الثاني من إرادة الدنيا بالعمل: أن يكون مريدًا لله جل وعلا، لكن يخلط مع ذلك إرادة الدنيا، وهاذا ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أن يريد من الدنيا ما جاء الشرع بذكره جزاءً للعمل، مثاله قول النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (( من أحب أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره فليصل رحمه ) ). فالنبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- رتَّب على صلة الرحم مصلحتين من مصالح الدنيا: البسط في الرزق، والإنساء في الأثر، فقصد هاذا جائز إذا قصده مع إرادة الآخرة، يعني: يريد الآخرة، ويريد تحصيل الفضائل التي نصَّ عليها النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مما يُحصَّل في الدنيا، ويُرتَّب على العمل، لكن هاذا ليس في الأجر كالذي لم يقصد إلا الدار الآخرة، فإنه من قصد ما ذكره النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- من مصالح الدنيا المرتَّبة على العمل لم يتمم الإخلاص، لكنه ليس قادحًا فيه، بل ينقص الأجر، وليس ممنوعًا مذمومًا، لكن من وصل رحمه، ولم يلاحظ إلا تحصيل المكسب الدنيوي فقط: بسط الرزق، وإنساء الأثر، ولم ينظر ولم يخطر له على بال الأجر الذي رتَّبه الله في الآخرة، فهاذا لا شك أنه قد فوَّت على نفسه خيرًا كثيرًا، وقد يكون قد وقع في الإثم.