ثم قال رحمه الله: (وما أخطأك) أي: ما لم يصبك، أو ما تجاوزك إلى غيرك، (لم يكن ليصيبك) : لم يكن لينزل بك، ويقع عليك مهما كان، وهاذا يشمل ما يصيب الإنسان من الخير وما يصيبه مما يكره، ويشمل ما يخطئ الإنسان من الخير وما يخطئه مما يحب أن ينصرف عنه، فما أصاب الإنسان لا سبيل لإزالته مهما كان، واعتقاد مثل هاذا يقطع عن الإنسان الندم والتَّحسُّر على ما مضى؛ لأنه يعلم أنه لن يزول عنه ما كان قد قدره الله عليه مهما كان.
(أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. سمعتُ رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يقول:(( إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب ) )). هاذا فيه الخبر عن أن الله -جل وعلا- أمر القلم بالكتابة ساعةَ خلقه، هاذا الصحيح، وليس فيه الإخبار بأن أول المخلوقات القلم، هاذه هي الرواية المحفوظة الصحيحة التي عليها المحققون من أهل العلم.
فالحديث ليس مقصوده وغرضه بيان أول المخلوقات، إنما مقصودُه وغرضه أن الله -جل وعلا- أمر القلم بالكتابة ساعةَ خَلْقِه، يعني: مُذْ خَلَقَهُ من أول ساعة خَلْقِه.
(( إن أول ما خلق الله القلم، قال له: اكتب ) )أي: أمره بالكتابة.
(( فقال: رب وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة ) ). فالقلم جرى بما هو كائن إلى قيام الساعة، وهاذا فيه الدّليل على أي مرتبة من مراتب القدر؟
على مرتبتين:
على العلم، والكتابة؛ لأنه لا يمكن أن يكتب إلا ما عَلَّمه الله أن يكتبه، فهاذا دال على أن الأشياء قد قُدِّرَت وفُرغ منها قبل خَلْقِ الخَلْق، فإن الله أمر القلم بالكتابة من أول خَلْقِه، وهو دالٌّ على أن كل ما يكون مكتوب، وأن كل ما يكون من علم الله -عز وجل-.