قال -رحمه الله- بعد هاذا: (وعن عبادة بن الصامت أنه قال لابنه: يا بني! إنك لن تجد معنى الإيمان) وابنه هو: الوليد بن عبادة، وهاذا القول من عبادة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- في آخر حياته، في حال احتضاره: (يا بُني! إنك لن تجد طعم الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك) .
(إنك لن تجد طعم الإيمان) : نفى وجود طعم الإيمان، وهاذا فيه إثبات أن للإيمان طعمًا، والإيمان أيها الإخوة حقيقةٌ ترسخ في القلب ويتشربها القلب، من ثمرة الإيمان هاذا الطعم الذي ذكره عبادة بن الصامت -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، وقد جاء نظيره في قول النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (( ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان ) ). فطعم الإيمان في هاذا الحديث هو حلاوة الإيمان التي في حديث أنس، وهي الحلاوة التي يجدها الإنسان من جرَّاء إيمانه، هل هي الإيمان نفسه؟
الجواب: لا، هي ثمرة الإيمان وعاقبته، ونتيجته، وجاء التعبير عنها بالذوق، وجاء التعبير عنها بالوَجْد.
أما الذوق: ففي مثل قول النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (( ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد نبيًّا ) ). وأما الوجد فقوله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (( ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان ) ).
واختلف العلماء أيهما أبلغ: الذوق أو الوجد؟
الصوفية عندهم: الذوق أعلى من الوجد، والظاهر كما استظهر ابن القيم -رحمه الله- أن الذوق أعلى؛ لأن الذوق وجودٌ وزيادة، يعني: تحصيل للشيء وزيادة، وعلى كل حال لا مُشاحة في الأمر، الذوق والوجد كلاهما ثمرةٌ من ثمار الإيمان.
يقول رحمه الله: (لن تجد طعم الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك) .
(ما أصابك) يعني: الذي وقع لك من أقدار الله -عز وجل-.
(لم يكن ليخطئك) أي: لم يكن ليتعَدَّاك إلى غيرك، أي: لم يكن ليزول عنك، وذلك أنه لا مانع لما أعطى، فما قدره الله كائن لا محالة.