وملخص ما يقولونه ويزعمونه: أن الأمر أُنُف، أي: مستأنَف، فإن الله لا يعلم من يطيعه ممن يعصيه، ولا يعلم ما يقع، ومن ثَم فإنه لم يخلقه، ولم يشأه، ولم يكتبه.
لكن هاذا القول كما ذكرنا انقرض لما أنكره الصحابة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُم-، وإنكارُه لم يقتصر على ابن عمر، بل أنكره كثير من الصحابة الذين بقُوا وأدركوا هاذه الفتنة، كابن عباس وواثلة بن الأسقع وغيرهما -رَضِيَ اللهُ عَنْهُم-، وهاذا فيه أن من لم يؤمن بالقدر لا يصحُّ له إيمان، ولا يثبُت له في الإسلام قَدَمٌ؛ لأنه قال: (لو كان لأحدهم مثل أُحُد ذهبًا ثم أنفقه في سبيل الله ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر) . ومعلوم أنه لا يمتنع قبول النفقة والصدقة في سبيل الله لأجل شيء إنكاره لا ينقص الإيمان، ولا يُزيله من أصله، فدل ذلك على أن عدم الإيمان بالقدر من أسباب الكفر، وأنه لا يتم الإيمان ولا يَقَرُّ ولا يثبت لأحد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره.
قال: (ثم استدل بقوله) ؛ لأنه لما ذَكَر هاذا أخبرهم بحديث جبريل، فقال: حدثني أبي، وذكر ما جرى من قصة مجيء جبريل وسؤاله النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عن الإسلام والإيمان والإحسان وأمارات الساعة.
قال: (( الإيمان: أن تؤمن بالله ) )من قول النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (( الإيمان: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره ) ).
وقوله رحمه الله: (( تؤمن بالقدر خيره وشره ) )هاذا هو الشاهد، فدل ذلك على أن الإيمان بالقدر أصل من أصول الإيمان، لا يثبُت الإيمان لأحد إلا بالإقرار به.
وقد دل على ذلك كتاب الله -عز وجل- في قوله: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [1] . فمن كَذَّب بهاذا فقد كَذَّب القرآن، ومن كَذَّب القرآن فهو كافر لا يثبت له وصفُ الإيمان.
(1) سورة: القمر، الآية (49) .