والصحيح: أن (بيده) وإن كانت تدل على تمام القدرة والمُلْك وتمام التصرف، لكن ليس من لازم هاذا تعطيلُ ما دلت عليه النصوص من أن الله -جل وعلا- له يَد كما دَلَّ على ذلك القرآن والسنة، فقوله: (بيده) لا يصلح أن يكون دليلًا لنفي هاذا الذي وصف الله به نفسه، بل نقول: (بيده) حقيقةً وهو دالٌّ على تمام القدرة والمُلْك؛ لأن ما كان في يد الإنسان فإنه دالٌّ على كمال قدرته وتصرفه.
ولو أن أحدًا فسر قوله: (والذي نفس ابن عمر بيده) بأنها: في ملكه وتحت قدرته، لم يكن تفسيره غلطًا إذا كان لا ينفي صفة اليد، لكن إن جعل ذلك دليلًا على تعطيل ما وصف الله به نفسه، فإنه قُصور في ما يجب في حق الله -عز وجل- من الصفات.
قال رحمه الله: (والذي نفس ابن عمر بيده لو كان لأحدهم مثل أُحُد ذهبًا) .
الضمير في قوله: (لأحدهم) لمنكري القدر؛ لأن هاذا القول لم يصدر من ابن عمر ابتداءً، بل صَدَرَ جوابًا لما ذكره له يحيى بن يَعْمُر، وحميد بن عبد الرحمان الطويل، حيث جاآ إليه وشَكَوَا إليه ما عليه نُفاةُ القدر الذين يقولون: إن الأمر أُنُف، فقال -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: أخبرهم بأني منهم بريء، وأنهم مني برءاء (والذي نفس ابن عمر بيده لو كان لأحدهم مثل أُحُد ذهبًا، ثم أنفقه في سبيل الله ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر) . فكان قول ابن عمر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قولًا في رد هاذه البدعة التي بلغته عن قومٍ في البصرة، حيث إن أول ما حدث إنكارُ القدر حصل في آخر زمان الصحابة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُم- بعد انقراض أكثرهم، وانتهاء الخلافة الراشدة، بل حتى انقضاء خلافة معاوية في الفترة التي كانت فيها الفتنة بين بني أمية وابن الزبير، ظهرت هاذه النابتة التي قالت بهاذا القول، وكان أول من قال بها مَعْبَد الجهني في البصرة.