أشدُّ ما يكون من إنكار القدر هو: إنكار المراتب الأربع كلها: إنكار علم الله، إنكار كتابته، إنكار مشيئته، إنكار خلقه. وهاذا كان في أول الأمر عند ظهور هاذه البدعة، ثم إنه لما جرت المناقشة والمباحَثة مع مَن قال بهاذا القول تبيّن زيغُه وضلاله، واضمحلّ قوله، وذهب قائل هاذا القول، يعني: الذي يُنكر العلم والكتابة، فلم يبقَ من منكري القدر إلا من ينكر المرتبتين الأخيرتين: مرتبة المشيئة والخَلْق، وهو الذي عليه من يُسَمَّوْنَ بالقدرية، فإنهم سُمُّوا بذلك لما جرى منهم من الخلل فيما يتعلق بالخلق والمشيئة، فعندهم أنّ أفعال العباد ليست من خلق الله ولا من مشيئته؛ بل إن الله -جل وعلا- لم يخلق ذلك، هي خلق للناس كما يزعمون، وهاذا كَذِبٌ وتكذيبٌ لما دلت عليه نصوص القرآن، ولما دلّ عليه قول رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ-.
وممّا يدخل في إنكار القدر، وإن كان دخوله ليس كدخول من أنكر المراتب: أن يكون الإنسان معتقدًا أن القدر ليس لحكمة، إنما لمجرّد المشيئة، فإن هاذا قدح في الإيمان بالقدر؛ لأنّ من تمام الإيمان بالله أن تؤمن بأنه ما قَدَّر شيئًا، ولا يقدّر شيئًا -جل وعلا- إلا لحكمة، فإن هاذا من تمام الإيمان بالقدر.
ذكر المؤلف -رحمه الله- في هاذا الباب قول ابن عمر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قال: (وقال ابن عمر: والذي نفس ابن عمر بيده) ، يقسم بمَنْ؟ يقسم بالله؛ لأن الله -جل وعلا- بيده نفس كل أحد، وهاذا قَسَم باسم أو بوصف أو بفعل؟ بوصف، هاذا قَسَمٌ بوصف.
وقوله: (بيده) . قيل: في ملكه وتصرفه، وهاذا يَتَّسِقُ مع قول الذين يقولون بأن معنى اليد الثابتة لله -عز وجل- القدرة، فيكون المعنى: والذي نفسُ ابن عمر في قدرته وملكه.