الصفحة 870 من 952

قال رحمه الله: (يا بُني! سمعت رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يقول:(( من مات على غير هاذا فليس مني ) )). (( من مات على غير هاذا ) )الاعتقاد. قال: (( فليس مني ) ). وهاذا فيه التبرؤ، تبرؤ رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِمَّن مات على غير الإيمان بما تضمنه هاذا الحديث من أن الله كتب مقادير كل شيء إلى أن تقوم الساعة، ولا ريب أن مَنْ أنكر الكتابة والعلم فإنه كافر، وهاذا عليه إجماع علماء الأمة، لم يختلف فيه أحد، ولذلك قال الشافعي -رحمه الله- في غُلاة القدرية: ناظروهم في العلم، أو ناقشوهم في العلم، فإن جحدوه كفروا؛ لأن دلالة القرآن والسنة على إثبات صفة العلم لا يمكن أن يماري فيها إلا مكابر، فهي من أعظم الصفات، بل هي أوسع الصفات تعلقًا؛ لأنها تتعلق بكل شيء، كما قال الله -عز وجل-: {وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا} [1] . فعلمه قد وَسِعَ كل شيء، تعلق: بالممكنات، وبالواجبات، وبالممتنعات، وبالمستحيلات، وبالماضي، والمستقبل، والحاضر. فعلمه قد انتظم كل شيء -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-، ولذلك هو من أوسع الصفات تعلقًا، فمن مات مُنكِرًا لهاذا فليس من النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وهاذا أقلُّ ما يدل عليه هاذا القول: (( فليس مني ) ). أقل ما يدل عليه في مثل هاذا السياق أنه من كبائر الذنوب وعظائم الآثام، وإلا فإن النصوص قد دلت على أن من أنكر علم الله المتقدِّم فهو كافرٌ بالله العظيم.

قال رحمه الله: (وفي رواية أحمد:(( إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب. فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة ) ).) هاذا فيه ما في الحديث السابق من أن الله -جل وعلا- أمر القلم بالكتابة ساعة خلقه، ولذلك قال: (( فجرى في تلك الساعة ) ). يعني: في تلك الساعة التي خلقه فيها (( بما هو كائن إلى يوم القيامة ) ). أي: بما قَدَّرَهُ الله من الوقائع إلى أن تقوم الساعة.

(1) سورة: طه، الآية (98) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت