وقوله رحمه الله: (باب ما جاء في ذمة الله)
الذمة: مأخوذة في الأصل من الذم وهو اللوم؛ لأنها إذا أعطيت لشخص فخالفها استحق اللوم والعيب، ولذلك سميت ذمة، فهي مأخوذة في الأصل من الذم، والمراد بها هنا العهد، أي: عهد الله وعهد نبيه، وسمي العهد ذمة لأن مخالف العهد مذموم، هاذا وجه المناسبة بين الذمة والعهد.
يقول رحمه الله: وقوله تعالى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا} [1] . هاذه الآية أمر الله -جل وعلا-فيها أهل الإيمان بالوفاء بالعهد، والوفاء مأخوذ من التوفية: وهو إعطاء الشيء كاملًا موفورًا محفوظًا، فالوفاء هو إعطاء الشيء على وجه الكمال دون نقص ولا بخس، كما قال الله -جل وعلا- في المطففين: {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِين (01) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (02) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ} [2] .
فالوفاء المأمور به في قوله تعالى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ} أي: أعطوه كاملًا، ولا تنقصوا منه شيئًا.
وقوله: {بِعَهْدِ اللَّهِ} يشمل كل ما عاهد الله -جل وعلا- الخلق على الوفاء به، وإعطائه، والقيام به. فيشمل أصل الدين، ويشمل الواجبات الشرعية، ويشمل العهود التي بين الناس، والمعاقدات التي بين الناس، ولذلك قال المفسر في الجلالين في تفسير: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ} : إنه محمول على الأيمان، والبيع، وما أشبه ذلك من المعاملات. إلا أن هاذا التفسير بالمثال، والمأمور به من الوفاء بالعهد هو ما أخذ الله -جل وعلا- العهد فيه على العباد أن يوفوه، وأن يقوموا به، وأصل ذلك الوفاء بالتوحيد، وأصل الدين، وجميع ما أمر الله به ورسوله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.
(1) سورة: النحل، الآية (91) .
(2) سورة: المطففين، الآية (1 - 3) .