(( فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم ) )إن امتنعوا من الخصلة الثانية، وهي الجزية فاستعن بالله وقاتلهم. وانظر إلى قول النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (( فاستعن بالله ) )فيه التنبيه إلى عدم الاعتداد بقوة النفس، وما مع الإنسان من القدرة والمُكْنَة، بل ينبغي له مهما بلغت قوته- لأنه في الغالب لا يكون مثل هاذا العرض إلا ممن كان ظاهر القوة واثقًا من نفسه، مع هاذا ينبغي له- أن يستعين بالله، فإن الله إذا لم يُعِن العبد لم يحصل له مقصوده، ولم ينل مطلوبه.
(( فاستعن بالله وقاتلهم ) )وهاذا فيه أيضًا التشجيع على القتال، وأنهم إن أبوا فقد أغلقوا الطرق ولم يبق إلا أن يُقَاتَلوا.
ثم قال: (( وإذا حاصرت أهل حصن ) )وهاذا هو الشاهد من الحديث قوله: (( وإذا حاصرت أهل حصن ) )إلى آخر ما سيأتي.
فيما تقدم من عرض الخلال الثلاث، والخصال الثلاث خلاف بين العلماء، هل هاذا عام في كل قتال، أم أنه يجوز تبييت الكفار دون دعوتهم؟
ومنشأ الخلاف أن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بيّت بني المصطلق، فأتاهم وهم غارُّون، والأنعام على مياههم، وقتل مقاتلتهم، وسبى ذراريهم ونساءهم، فأخذ الجماعة من العلماء من هاذا جواز تبييت الكفار وهم غارُّون.
والصحيح: التفصيل، وأن القاعدة العامة والأصل: هو ما تضمنه هاذا الحديث من أنه لا يقاتل إلا بعد الدعوة، لكن من بلغته الدعوة، وعرفها معرفة واضحة بيِّنة فإن لولي الأمر أن يبيتهم وهم غارُّون، كما جرى من النبي-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مع بني المصطلق، فإنهم علموا، وعرفوا ما جاء به النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ولم ينقادوا.
أما من لم يسمع، ولم يعرف، فإنه ينبغي أن يعرض عليه الخلال الثلاث.