(وبك على الله) . أي: ونستشفع بك على الله، أي: نطلب وساطتك عند الله -عز وجل-. فقال النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (( سبحان الله، سبحان الله! ) ). أي: أُنزه الله -جل وعلا- عن هاذا القول. ومعلوم أن سبحان الله كلمة دائرة على التنزيه، والمنزه بها هو الله -جل وعلا- في هاذا السياق: سبحان الله، وهي لا تكون إلا لله، لا تُقال في حق غيره -جل وعلا- دائرة على التنزيه، والتنزيه إما أن يكون تنزيهًا عن نقص، وإما أن يكون تنزيهًا عن عيب، وإما أن يكون تنزيهًا عن مماثلة ومشابهة، هاذا ما تدور عليه كلمة سبحان الله، فينزه العبد بها الله -جل وعلا- عن النقص في صفاته؛ لأن صفاته كاملة وله المثل الأعلى: {وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى} [1] . يُنزه العبد ربه سبحانه وتعالى عن العيب، وهو ما وصفه به الجاهلون، ومنه هاذا الذي جرى من الأعرابي حيث قال: (نستشفع بالله عليك) . أي: نطلب وساطة الله عندك، يعني: نطلب من الله أن يتوسط لنا عندك. وهاذا لا يليق بالله -جل وعلا-؛ لأن الأمر كله في يد الله -جل وعلا-، فلا يُطلَب من الله أن يشفع عند أحد من الخلق، بل الشفاعة له تُطلب منه -جل وعلا- لا تُطلب منه إلى غيره -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-، ولذلك سبح النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ربه حتى عُرف ذلك في وجهه، أي: عُرف التغير في وجهه من شدة ما وقع في نفسه من هاذا القول الذي فيه الإخلال بالأدب في حق الله، وفيه الجهل به -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- وبما يجب له من التعظيم.
قال -رحمه الله- في سياق حديث جبير: (فمازال يسبح حتى عُرِفَ ذلك في وجوه أصحابه) . أي: تغيرت وجوه أصحابه لما رأوا من المشقة التي لحقت بالنبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بسبب هاذا القول.
(1) سورة: النحل، الآية (60) .