-سيرته مع العلماء:
أقوال بعض علماء عصره فيه:
يقول الشيخ الدكتور وهبة الزحيلي (رئيس قسم الفقه الإسلامي ومذاهبه بكلية الشريعة بجامعة دمشق) عنه: «إني أعرف الأخ الشيخ عبد القادر منذ زمن بعيد، وقد صاحبته في سفرٍ إلى روسيا. وهو يتميز بسلامة لُغتِه، وقوة حافِظَته، وتقواه، و وَرَعِهِ، ومحبة الناس له، ومعرفته بأحكام الحلال والحرام، وتميزه بحفظ الأحاديث النبوية: بالرجوع إلى مصادرها وضبطها ومعرفة الأحكام المترتبة عليها. ويتميز أيضًا بأنه ذو خُلُقٍ كريم، وأدب رفيع، ويحترم أهل العلم، ويجد فيهم ويجدون فيه أُنْسًا وفضلًا وحُبًا للسُّنة النبوية والعناية بها. وقد شهد له عالم التأليف والتصنيف، تحقيقاتٍ كثيرةٍ دقيقةٍ وجيدةٍ وممتازةٍ مثل تحقيق كتاب"جامع الأصول"لابن الأثير الجزري، وغيرها من كتب الحديث. وكل ذلك إنما يُنبئ عن عِلمٍ غزيرٍ، وفَهمٍ دقيق، ومتابعة للروايات، وتعرف على رجال الحديث والسنة ... » .
ويقول الشيخ الدكتور مصطفى ديب البغا -حفظه الله- (أستاذ الحديث وعلومه في كلية الشريعة بجامعة دمشق) عنه: «الشيخ عبد القادر رجلٌ عالمٌ، طيبٌ، وورع، ومُحَقّقٌ، ومعتدلٌ في مواقفه. هذا ما أعرفه عنه. وفي مسألة فتواه عن الطلاق، فهو يقصد منها التيسير على الناس، وليس التساهل في الدين» .
ويقول فضيلة الأستاذ محمد رياض المالح -رحمه الله- عنه: «نشهد بأن الشيخ عبد القادر -حفظه الله، ونفع الأمة بعلمه- رجلٌ فاضلٌ عفيف اللسان. وهذا شأن العلماء. و الجميع يشهد بنزاهته، وتواضعه، ومعاملته الحُسنة للآخرين. وإننا جميعًا نُقدِّرُ عمله العظيم في تحقيقه لكتاب"جامع الأصول"الذي لاقى قبولًا كبيرًا بين الناس، وحَقَّقَ للجميع النفع والفائدة المرجُوّة» .
ويقول الشيخ عبد الرحمن الشاغوري -حفظه الله- عنه: «إن الشيخ عبد القادر رجلٌ مستقيمٌ، يحبنا ونحبه. وقد صحبته مُدَّةً طويلةً من الزمن خلال تدريسي في معهد العلوم الإسلامية عند الشيخ"عبد الله دك الباب"حيث كُنا على أشد المساعدة والتعاون والائتمان. ولم نر له أخطاءً طوال هذا المدة، فهو حافظٌ لسانه، وحافظٌ كيانه. وهذا ما أعرفه عنه. كما أنه يتَحَرّى دائمًا في فتواه، فلا يعتمد على عقله، إنما يعتمد على الأحاديث الصحيحة. نسأل الله لنا وله التوفيق» .
وهو يثني على علم الألباني بالحديث. لكن الشيخ لا يوافقه على آرائه الاجتهادية في المسائل المعروفة التي أفتى فيها الشيخ الألباني بما أداه إليه اجتهاده كمسألة الذهب المحلق و غيرها. لكن هذا في العلم، أما القلبُ، فأشهد أن الشيخ يحبه و يجله، و الشيخ ناصر يحبه و يجله. و إن كنت ترى الألباني يرد عليه، فهذه يا أخي طريقته المعروفة في عدم محاباة أحد في الحق كائنًا من كان. و الشيخ إذا زار الأردن زار الشيخ ناصر الألباني. و الألباني رحمه الله كذلك يكرمه و يجلّه. بل إن أحد الثقات نقل لنا أن الشيخ الألباني سئل عمن تنصح بأخذ أحكامه على الأحاديث من بعدك فقال: الشيخ عبد القادر الأرنؤوط.
و أشهد لقد كان بعض المغرضين في مجلس الشيخ من سوء أدبهم: كلما تكلم الشيخ ذكروا الألباني و خلافه. كأنما يريدون غضبةً من الشيخ عبد القادر في حق الشيخ الألباني -كما هي طريقة من لم يتأدب بأدب العلم و ما أكثرهم في مجالس العلماء و للأسف-، فقال الشيخ عبد القادر قولة شديدة فيها إلجام لهؤلاء -بعد أن عرف قصدهم-: «الشيخ ناصرٌ صاحبُنَا و صديقُنا ليس بيني و بينه شيء، ذاك شعيب الأرنؤوط» .
لأن كثيرا من عوام السلفيين يخلطون بين الشيخ شعيب الأرنؤوط و شيخنا عبد القادر، و يظنون أن بينهما نسبًا. و ليس الأمر كذلك، فالشيخ عبد القادر ليس بينه و بين شعيب نسب، و الألباني أقرب إلى شيخنا بلدةً من شعيب، و كلهم أصولهم ألبانية كما قال شيخنا. و الشيخ عبد القادر سلفيٌّ معتقَدًا و عِلمًا و طريقةً و سُلوكًا، بخلاف شعيب الأرنؤوط فلا يزال حنفيًا، و في تعليقاته العقدية ما فيها، و قد انتقده غير واحد فيما كتبه على السير و غيره، كما فعل الدكتور محمد بن خليفة التميمي. و لو سلمنا أنه بينهما شيء، فماذا كان؟ نجرح من خالف الشيخ الألباني هكذا! إن الأمر المتنازع فيه يُنظر فيه و يُستَمع فيه إلى أقوال المتنازعين كما قرِّر في موضعه من كتب الفقه.
و مع هذا فقد سأل أحد إخواننا الشيخ عن علاقته بالألباني هل هي قوية؟ فأجاب بأنها جيدة و هو يزوره إذا نزل الأردن، و أن الألباني يرسل له مؤلفاته الجديدة، و أراه منها صحيح الأدب المفرد و ضعيفه. وهل تعلمون: أن الشيخ عبد القادر يُدرِّس صحيح الأدب المفرد للألباني. بل قد ينظر في كتب الألباني كالصحيحة و الإرواء و الضعيفة بحضرة طلبته دون أي حرج، إذا ما أراد أن يستخرج الحديث. هكذا الشيخ عرفناه لا يستحي من تدريس كتاب الألباني، لأن العلم رَحِمٌ بين أهله.
و أما عن علاقته بابن باز، فقد أرسله ابن باز إلى ألبانيا للدعوة. و لا يزال الشيخ إلى اليوم يسافر إليها للدعوة و تعليم الناس. فالشيخ يتقن اللغة الألبانية، مما ساعده على سهولة مخاطبة المدعوين.
الشيخ وعلوم الحديث النبوي الشريف
مسموعاته:
إن معظم مسموعات الشيخ، كانت من المشايخ في بداية طلبه للعلم حيث لم يكن له مسموعات بشكل خاص في علم الحديث، إنما كانت له اطلاعات عامة حيث قرأ في البداية كتاب صحيح مسلم من أوله إلى آخره، فحُبِّب إليه قراءة كتب السنة وقراءة كتب شراح الحديث أمثال ابن القيم حجر العسقلاني وغيره.
اجتهاده في الحديث وبيان محفوظه منه:
ليس للشيخ اجتهاد خاص في علم مصطلح الحديث، إنما يعمل بما سار عليه علماء الحديث المتأخرين وشرّاحه. وبخاصة الحفاظ المتأخرين من أمثال الحافظ ابن حجر العسقلاني والحافظ العراقي.
أما عن محفوظ الشيخ. فالشيخ من خلال عمله في مجال تحقيق الكتب مدة طويلة واهتمامه بعلم الحديث، يحفظ ما يقارب عشرة آلاف حديث. ويؤكد على جانب من الأهمية: أن سلامة المُعتَقَد شرطٌ معينًا، قد يميل ويتعصب إليه، فيؤثر عليه في منهجه من خلال تصحيحه وتحسينه وتضعيفه للحديث مثلًا.
و الشيخ عبد القادر يتمتع بحافظة قوية. يذكر عن نفسه أنه كان يحفظ خمسة أحاديث في فترة الاستراحة بين الحصص في زمن الدراسية الأكاديمية. فكان يتمتع بحافظة قوية -أدامها الله عليه-. و هذا معروفٌ عن الشيخ. فالشيخ حافِظٌ من الحُفّاظ، قَلَّ أن يُسأل عن حديثٍ إلا و يَسوْق لك مَتْنَهُ كاملًا. كم اندهشت من سُرعة استخراجه للحديث من الكتب. فإني كنت أجالس الشيخ في مكتبته العامرة، فيدخل عليه صنوف الناس ما بين سائِلٍ و مُستَرشِدٍ و مُتَحاكِمٍ إليه للإصلاح في أمور المنازعات -في الطلاق و غيره- فكان الشيخ موسوعةً في استخراج الحديث من مَظَانّه. يمُدّ يده إلى الكتاب، فيُخرج منه الحديث المسؤول عنه بسرعة عجيبة -حفظه الله-.
و كان كثيرًا ما يُكرّر على طلبته مقولة بِشْر بن الحارث الحافي: «يا أصحاب الحديث، أدّوا زكاة الحديث» . قالوا: «و ما زكاته؟» . قال: «أن تعملوا من كل مِئتي حديثٍ، بخمسة أحاديث» . و هذا الأثر أخرجه أبو نعيم في الحلية (8\ 337) ، و الرافعي في التدوين (2\ 427) -و اللفظ له- و البيهقي في الشّعب (1805) و هو صحيح عنه. و لذلك كان الشيخ يشرح في بعض دروسه خمسة أحاديث في مجلسٍ واحد.