إملاؤه الحديث وتدريسه:
عمل الشيخ مدرسًا لعلوم القرآن والحديث النبوي الشريف بين عامي (1952 م - 1959 م) في مدرسة «الإسعاف الخيري» بدمشق (التي درس فيها) . وقد أدرك فيها شيخه في التجويد: المقرئ صبحي العطار -رحمه الله-.
وفي عام (1381 هـ - 1960 م) انتقل إلى المعهد العربي الإسلامي بدمشق، فدرَّس فيه القرآن والفقه. ثم انتقل إلى التدريس في معهد الأمينية، و منه إلى معهد المحدث الأكبر الشيخ بدر الدين الحسني بدمشق.
هذا بالإضافة إلى ذلك، فهو يقوم بتدريس ما يقارب الخمسين طالبًا من مختلف بلدان الأرض مادة الحديث وغير ذلك. ويدرّس الألبان منهم بلغتهم الألبانية.
و قد قام الشيخ نفع الله به الأمة بتدريس جمع كبير من المصنفات، منها:
· كتب التوحيد و العقيدة.
· «الباعث الحثيث» شرح الشيخ أحمد محمد شاكر على مختصر علوم الحديث لابن كثير الدمشقي صاحب التفسير.
· «إرشاد طلاب الحقائق لمعرفة سنن خير الخلائق» للإمام النووي. و هو مختصر لكتاب ابن الصلاح، و اختصر منه «التقريب» الذي شرحه السيوطي في كتابه «تدريب الراوي» .
· «قواعد التحديث في شرح فنون مصطلح الحديث» للشيخ السلفي جمال الدين القاسمي.
· «فتح المغيث في شرح ألفية الحديث» للحافظ السخاوي.
· «تدريب الراوي شرح تقريب النواوي» للسيوطي.
· «زاد المعاد» لابن القيم.
· «مختصر صحيح البخاري» للزبيدي مع شرحه «عون الباري» لصديق خان.
· «كفاية الأخيار» للحصني في الفقه الشافعي بالمعهد.
· «صحيح الأدب المفرد» .
· «مختصر تفسير الخازن» للشيخ عبد الغني الدقر.
· و غيرها كثير.
وظائفه العلمية و نشاطه الدعوي ودفاعه عن السنة:
ولما كان الشيخ في الستين من عمره ومتمتعًا بقوة الشباب، كان يسافر إلى بلده كوسوفا، في يوغسلافيا كل عام عدة أيام داعيًا إلى الله. وكان يلقي المحاضرات والخطب، ويعقد الندوات ويناقش الجانحين عن الحق باللغة الألبانية، مبينًا سبيل الهداية والرشاد، وداعيًا الناس إلى جادة الصواب، للتمسك بالدين الحنيف، والعمل بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وترك البدع والشذوذ والضالات.
واستطاع الشيخ بفضل من الله أن يدخل إلى قلوب الناس بتواضعه ومحبته لهم وحسن أخلاقه. ولقد عرفه أهل دمشق وغيرها في خطبه على المنابر، وفي دروسه في المساجد، بجرأته على قول الحق وبمنهجه في الدعوة، ودفاعه عن السنة النبوية الشريفة، متسلحًا بالتقوى والإخلاص لله تعالى. وهو سلاحٌ يتسلح به كل داع إلى الله إذا أراد لدعوته أن تقوم لها قائمة أو تنشط من سبات.
وقد اتخذ الشيخ -حفظه الله- الدعوة إلى الله والدفاع عن السنة منهجًا في حياته. وتقلد الشيخ الوظائف العليَّة في ديننا، (لكنَّها عند أهل الدنيا ليست كذلك) :
1)فقد تقلّد الخطابة في سنة (1369 هـ - 1948 م) وكان عمره آنذاك عشرين (20) سنة، حيث كان خطيبًا في جامع «الدّيوانية البَرَّانية» بدمشق، حيث بقي فيه خطيبًا لمدة خمسة عشر (15) عامًا.
2)ثم انتقل إلى منطقة «القَدَم» بدمشق، حيث قام ببناء مسجد فيها بمساعدة أهل الخير، وسماه جامع «عمر بن الخطاب» . وعمل فيه إمامًا وخطيبًا لمدة عشر سنوات. و «القدم» حيٌّ في أطراف دمشق، يقول بعض العوام أن في تلك المنطقة أثر قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا كذب إذ أنه في رحلته للشام في صغره لم يتجاوز بُصْرى، كما يعلم الجميع.
3)ثم انتقل إلى منطقة «الدحاديل» بدمشق، وكان خطيبًا في جامع «الإصلاح» وبقي فيه مدة عشر سنوات.
4)ثم انتقل إلى جامع «المُحمّدي» بحيّ المِزَّة، وبقي فيه خطيبًا ما يُقارب ثماني سنوات. و كنت أحضر فيه خطبه. (و «المِزَّة» كانت في الماضي قرية عند جبل يسمى باسمها في غوطة دمشق. وهي الآن من الأحياء الراقية في مدينة دمشق نتيجة التوسع العمراني) . ثم منع الشيخ من الخطابة و غيرها بسبب كلامه عن الاحتفال بعيد رأس السنة و ما ساقه في الخطبة من القول بكفر الصرب النصارى و غيره، فاشتكى عليه الصوفية العملاء و قالوا: إنه يكفر النصارى! ... إلى أشياء أخرى لا نود ذكرها هنا.
5)لكن الشيخ بقي يلقي دروسه في معهد الأمينية (وهي مدرسة قديمة للشافعية، لها مبنى جديد في جامع الزهراء بالمزة) . وهو الآن يقوم بالتدريس والوعظ ولا يترك مناسبة من زواج أو وفاة إلا ويتكلم فيها وينبه الناس إلى السنة الصحيحة ويدعوهم إلى ضرورة ترك البدع والمخالفات في الشريعة.
ويقال أن حالته الصحية قد ساءت لكثرة العمليات الجراحية التي أُجريت له في السنوات السابقة.
هذا مع انكبابه على التحقيق و التأليف -كما سيأتي الكلام عليه- و تدريسه العلم للناس و إلقاء المحاضرات. فالشيخ لا تكاد تمر حادثة أو مناسبة من عرس أو وليمة أو وفاة إلا و يقوم بتبيين السنة من البدعة، مرغبًا في الأولى و مرهبًا و محذرًا من الثانية.
و خطابة الشيخ قَلَّ أن تجد لها نظيرًا. فإنك لو حضرت له لم تلتفت عنه طرفة عين: يشُدّك بكلامه، و أسلوبِه في التعبير عمَّا يتكلَّم به. فكم من إشارةٍ كانت معبِّرةً عن المعنى أكثر من لفظها؟ هذا عدا طريقة كلامه: فالشيخ يعرف متى يرفع الصوت و متى يخفضه، في طريقة غاية في الجمال، إضافة إلى أن الشيخ جهوري الصوت. و لقد كان المسجد المحمدي يمتلئ بالمصلين في خطبة الجمعة، و كذا في مسجد عمر بالقدم.
و من الطرق التي يستعملها في خطبه أن يورد الحديث بذكر اسم الصحابي و من أخرجه و يترجم لهم ترجمة مختصرة جدًا ثم يشرع في الشرح مستشهدا بالآيات و الأحاديث. و هذا كله في دقة و تناسب و تنسيق جميل. ثم بعد انتهاء الخطبة يجيب الشيخ على أسئلة السائلين، في الحديث و الفقه و التوحيد و غير ذلك. فلا تكاد تخرج من المسجد إلا و قد شحنت إيمانًا و علمًا. حقًّا إن من لم يحضر خطب الشيخ يراني مُبالغًا أو مغاليًا، لكن هذه ليست شهادتي بل هي شهادة جميع من أعرفهم من أصحابي و غيرهم ممن كانوا يحضرون خطب الشيخ. و لقد كان الناس يتدفقون على المسجد المحمدي من كلّ فَجٍّ و صوب، يأتون إليه من أماكن بعيدة جدًا لسماع الخطبة. و إذا حضرتَ فسمعت الشيخ: ذهب عنك ما تجده من تعب الطريق، و أعقب ذلك لذة إيمانية مما تسمعه من أحاديث الإيمان!؟