فهرس الكتاب
لقد تكفل الإمام الخطابي- رحمه اللّه تعالى- ببيان السبب الذي من أجله كثر غريب حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم فقال: لقد بعث صلّى اللّه عليه و سلّم مبلغا و معلما، فهو لا يزال في كل مقام يقومه و موطن يشهده يأمر بمعروف و ينهى عن منكر، و يشرع في حادثة، و يفتي في نازلة، و الأسماع إليه مصغية، و القلوب لما يرد عليها من قوله واعية، و قد تختلف عنها عباراته، و يتكرر فيها بيانه، ليكون أوقع للسامعين، و أقرب إلى فهم من كان منهم أقل فقها و أقرب بالإسلام عهدا، و أولو الحفظ و الإتقان من فقهاء الصحابة يرعونها (كلها) سمعا، و يستوفونها حفظا، و يؤدونها على اختلاف جهاتها، فيجتمع لذلك في القضية الواحدة عدة ألفاظ، تحتها معنى واحد، و ذلك كقوله: «الولد للفراش، و للعاهر الحجر» «4» ، و في رواية أخرى: «و للعاهر الإثلب» «5» . قال الخطابي: و قد مر بمسامعي و لم يثبت عندي: «و للعاهر الكثكث» .
(1) لقد أفردنا هذه المسألة بالتأليف في كتابنا: الغرابة في الحديث النبوي، دراسة لغوية تحليلية في ضوء ما أورده أبو عبيد في «غريب الحديث» ط. أولى القاهرة 1407 ه.
(2) مثال ذلك أن يخاطب أحد المغاربة بعض أهله بلهجته المحلية، و يكون أحد السعوديين بجانبه، و في هذه الحالة يكون كلام المغربي مفهوما لبني جلدته، و غريبا بالنسبة للسعودي، و إذا انتقلنا من الشاهد إلى الغائب اتضح أن الرسول صلّى اللّه عليه و سلّم كان يخاطب أبناء القبائل بلهجتهم، و حوله من الصحابة الكرام من لا يفهم هذه اللهجة، و هنا يكون كلامه صلّى اللّه عليه و سلّم مفهوما للمخاطبين غريبا بالنسبة للصحابي الذي لا يعرف تفاصيل هذه اللهجة.
(3) الغرابة في الحديث النبوي للدكتور عبد الفتاح البركاوي ص 209 (بتصرف) .
(4) أخرجه البخاري 4/ 4، و مسلم 2/ 1080.
(5) رواه أحمد 2/ 179، 207 من حديث ابن عمر.