فتكسر قلبه، وقلب أخته الطفلة ذات السنوات الست، ثم لا تجبر هذا الكسر أبدا ... فكانت عاصفة الحقل أرحم وأرق قلبًا وأكثر إنسانية من هذه المرأة التي يرونها جميلة حلوة تسبي القلوب ... وما هي إلا الحية في لينها ونقشها، وفي سمها، ومكرها.
لقد سمع سبها وشتمها وصوت يدها-شلت يدها-وهي تقع على يد الطفلة البريئة، فلم يستطع القعود، ولم يكن يقدر على أن يقوم لحمايتها خوفًا من أبيه، من هذا الرجل الذي حالف امرأته الجديدة، وعاونها على حرب هذه المسكينة، وتجريعها غصص الحياة قبل أن تدري ما الحياة ... فوقف ينظر من (الشباك) فرأى أخته مستندة إلى الجدار تبكي منكسرة حزينة، وكانت مصفرة الوجه بالية الثوب، وإلى جانبها أختها الصغرى، طافحة الوجه صحةً، بارقة العينين ظفرًا وتغلبًا، مزهوة بثيابها الغالية ... فشعر بقلبه يثب إلى عينيه ويسيل دموعًا، ما ذنب هذه الطفلة حتى تسام هذا العذاب؟ أما كانت فرحة أبيه وزينة حياته؟ أما كانت أعز إنسان عليه؟ فمالها الآن صارت ذليلة بغيضة، لا تسمع في هذا البيت إلا السب والانتهار، أما التدليل فلأختها التي تصغر عنها سنتين، الترف لها، كأنما هي البنت المفردة، على حين قد صارت هي خادمة في بيت أبيها، بل هي شر من خادمة، فالخادم قد يلقى أناسًا لهم قلوب، وفي قلوبهم دين، فيعاملونها كأولادهم، وأبوها هي لم يبق في صدره قلب؛ ليكون في قلبه شرف مما دفعه أن يعامل ابنته-ابنة صلبه-معاملة الخادمة الذليلة، لقد كتب الله على هذه الطفلة أن تكون يتيمة الأبوين، إذ ماتت أمها فلم يبق لها أم، ومات ضمير أبيها فلم يبق لها أب!