بسم الله الرحمن الرحيم
عربة اللقطاء ... [1]
جلست على ساحل الشاطبي في «اسكندرية» أتأمل البحر، وقد ارتفع الضحى، ولكن النهار لَدَنٌ ناعم رطيب كأن الفجر ممتد فيه إلى الظهر.
وجاءت عربة اللقطاء، فأشرفت على الساحل، وكأنها في منظرها غمامة تتحرك؛ إذ تعلوها ظلة كبيرة في لون الغيم. وهي كعربات النقل، غير أنها مسورة بألواح من الخشب كجوانب النعش تمسك من فيها من الصغار أن يتدحرجوا منها إذ هي تدرج وتتقلقل.
ووقفت في الشارع؛ لتنزل ركبها إلى شاطئ البحر؛ أولئك ثلاثون صغيرًا من كل سفيج لقيط ومنبوذ، وقد انكمشوا وتضاغطوا؛ إذ لا يمكن أن تمط العربة فتسعهم، ولكن يمكن أن يكبسوا ويتداخلوا حتى يشغل الثلاثة أو الأربعة منهم حيز اثنين. ومن منهم إذا تألم سيذهب فيشكو لأبيه .. ؟
وترى هؤلاء المساكين خليطًا ملتبسًا، يشعرك اجتماعهم أنهم صيد في شبكة لا أطفال في عربة، ويدلك منظرهم البائس الذليل أنهم ليسوا أولاد أمهات وآباء، ولكنهم كانوا وساوس آباء وأمهات ...
هذه العربة يجرها جوادان أحدهما أدهم والآخر كميت [2] . فلما
(1) كتبها في مصيفه بسيدي بشر سنة 1935.
(2) الأدهم: الأسود. والكميت: الأحمر.