وقفت لوى الأدهم عنقه، والتفت ينظر: أيفرغون العربة أم يزيدون عليها ... ؟ أما الكميت فحرك رأسه، وعلك لجامه كأنه يقول لصاحبه: إن التفكير في تخفيف العبء الذي تحمله يجعله أثقل عليك مما هو؛ إذ يضيف إليه الهم، والهم أثقل ما حملت نفس، فما دمت في العمل فلا تتوهمن الراحة؛ فإن هذا يوهن القوة، ويخذل النشاط، ويجلب السأم؛ وإنما روح العمل الصبر، وإنما روح الصبر العزم.
ورآهم الأدهم ينزلون اللقطاء، فاستخفه الطرب، وحرك رأسه كأنما يسخر بالكميت وفلسفته، وكأنما يقول له: إنما هو النزوع إلى الحرية، فإن لم تكن لك في ذاتها، فلتكن لك في ذاتك، وإذا تعذرت اللذة عليك، فاحتفظ بخيالها، فإنه وصلتك بها إذا أن تمكن وتتسهل؛ ولا تجعلن كل طباعك طباعًا عاملة كادحة، وإلا فأنت أداة ليس فيها إلا الحياة كما تريدك، وليكن ذلك طبع شاعر مع هذه الطباع العاملة، فتكون لك الحياة كما تريدك وكما تريدها.
إن الدنيا شيء واحد في الواقع, ولكن هذا الشيء الواحد هو في كل خيال دنيا وحدها.
وفي العربة امرأتان تقومان على اللقطاء، وكلتاهما تزوير للأم على هؤلاء الأطفال المساكين؛ فلما سكنت العربة انحدرت منهما واحدة، وقامت الأخرى تناولها الصغار قائلة: واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة .. إلى أن تم العدد، وخلا قفص الدجاج من الدجاج ... !
ومشى الأطفال بوجوه يتيمة، يقرأ من يقرأ فيها أنها مستسلمة،