فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 12

مستكينة، معترفة أن لا حق لها في شيء من هذا العالم، إلا هذا الإحسان البخس القليل.

جاؤوا بهم لينظروا الطبيعة، والبحر، والشمس، فغفل الصغار عن كل ذلك، وصرفوا أعينهم إلى الأطفال الذين لهم آباء وأمهات ...

واكبدي! أضنى الأسى كبدي؛ فقد ضاق صدري بعد انفساحه، ونالني وجع الفكر في هؤلاء التعساء، وعرتني منهم علة كدس الحمى في الدم؛ وانقلبت إلى مثواي، والعربة وأهلها ومكانها وزمانها في رأسي.

فلما طاف بي النوم طاف كل ذلك بي، فرأيتني في موضعي ذاك، وأبصرت العربة قد وقفت، وتحاور الأدهم والكميت؛ فلما أفرغوها وشعر الجوادان بخفتها التفتا معًا، ثم جمعا رأسيهما يتحدثان!

قال الكميت: كنت قبل هذا أجر عربة الكلاب التي تقتلها الشرطة بالسم، فآخذ الموت لهذه الكلاب المسكينة، ثم أرجع بها موتى؛ وكنت أذهب وأجيء في كل مراد ومضطرب من شوارع المدينة وأزقتها وسككها، ولا أشعر بغير الثقل الذي أجره؛ فلما ابتليت بعربة هؤلاء الصغار الذين يسمونهم اللقطاء، أحسست ثقلا آخر وقع في نفسي، وما أدري ما هو؟ ولكن يخيل إلي أن ظل كل طفل منهم يثقل وحده عربة.

قال الأدهم: وأنا فقد كنت أجر عربة القمامة والأقذار، وما كان أقذرها وأنتنها! ولكنها على نفسي كانت العربة أطهر من هؤلاء وأنظف؛ كنت أجد ريحها الخبيثة ما دمت أجرُّها؛ فإذا أنا تركت العربة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت