لو أن لك ما في الأرض من شيء كنت تفتدي به
2 -عَنْ أَنَسٍ، يَرْفَعُهُ:"إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ لِأَهْوَنِ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا: لَوْ أَنَّ لَكَ مَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ كُنْتَ تَفْتَدِي بِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَقَدْ سَأَلْتُكَ مَا هُوَ أَهْوَنُ مِنْ هَذَا وَأَنْتَ فِي صُلْبِ آدَمَ، أَنْ لاَ تُشْرِكَ بِي، فَأَبَيْتَ إِلَّا الشِّرْكَ" [1]
(1) - الأحاديث التي اتفق عليها البخاري ومسلم (ص: 421) 3334 - 1176 - [ش أخرجه مسلم في صفات المنافقين وأحكامهم باب طلب الكافر الفداء بملء الأرض ذهبا رقم 2805. (تفتدي به) من الافتداء وهو خلاص نفسه من الهلاك الذي وقع فيه. (صلب آدم) ظهر والصلب كل ظهر له فقار والمراد أنه أخذ عليه العهد منذ خلق أباه آدم. (فأبيت إلا الشرك) رفضت الأمر وأتيت بالشرك]
(إن الله تعالى يقول) يوم القيامة. (لأهون أهل النار عذابًا) قد بين أهونهم عذابًا حديث النعمان بن بشير عند مسلم بلفظ"أهون أهل النار عذابًا رجل يوضع في أخمص قدميه نعلان يغلي منهما دماغه"، ويأتي أيضًا"أن أهونهم عذابا أبو طالب وهو ينتعل النعلين من نار يغلي منهما دماغه"فيحتمل أن يراد به أبو طالب أو غيره ممن هو في مثل حاله. (لو أن لك ما في الأرض من شيءٍ) وهذا القول زيادة في عذابه وتحسيره وتنديمه. (كنت تفتدي به؟) هو جواب لو ويأتي باللام وبحذفها ومن الأول {لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا} ومن الثاني {لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا} [الواقعة: 70] . (قال نعم) من باب {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ} قيل: الآية {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ} [المائدة: 36] وهنا وقع ما في الأرض.
قلت: ذلك عام لكل كافر وهذا خاص بالأهون عذابًا وذلك في الإخبار أنه ما يتقبل منه الفداء، وهذا في أنه يعرض عليه ويخاطب به وأيضًا يحتمل أن يخاطب بهذا تارة وهذا تارة وفي التنصيص على الأهون عذابًا إفادة أن الأشد عذابًا أكبر توبيخًا وتنديمًا وتحسيرًا. (قال) الله. (فقد سألتك ما هو أهون من هذا وأنت في صلب آدم أن لا تشرك بي شيئًا) هو بدل من قوله أهون من هذا وهو إشارة إلى ما ثبت في أحاديث واسعة من أنه تعالى لما خلق آدم مسح ظهره وسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها تعالى إلى يوم القيامة أمثال الذر ثم أخذ عليهم الميثاق فقال: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} [الأعراف: 172] طائفة قالوا: كارهين وطائفة طائعين والأحاديث في ذلك كثيرة قال بعض المحققين لو أدعى فيها التواتر لما بعد وقد سرد المصنف منها في الدر المنثور في تفسير الآية ما تقر به عين الناظر -وقد عارض أحاديث عالم الذر هذه أحاديث"كل مولود يولد على الفطرة"وقد جمعنا بينهما في رسالتنا: رفع الأستار في رد أدلة القائلين بعدم خلود الكفار في النار-. فقوله: وأنت في صلب آدم لأنه أعاده إليه وإلا فالسؤال كان بعد إخراجه منه. (فأبيت إلا الشرك) إشارة إلى الطائفة الذين قالوا، وهم كارهون. التنوير شرح الجامع الصغير (3/ 407)
هذا الحديث يدل ويتضمن زيادة توبيخ الكافر، وتضعيف حسرته، فليحذر المؤمن من أن يرتكب ما يوجب حسرة، وذلك لأن الإيمان لا ضرر على المؤمن فيه؛ فإنه آمن العاجل والآجل قال الله تعالى: {وماذا عليهم لو آمنوا بالله} فلما أشرك هذا العبد المشرك بربه مستعجلا بذلك الشر وعداوة المؤمنين، ومتأجلا شر الوعيد في غير ما بينة ولا متابعة هدى، كان خاسرا نفسه خسرانا؛ لما انكشف له في صورته كان يود أن لو كانت الدنيا كلها له لافتداه بها، وقد كان في الدنيا يمكنه أن يسلم من ذلك كله باختيار الأجود، وما تدعو إليه ضرورة العقل من تحصيل الأمن كما قال تعال: {فأي الفريقين أحق بالأمن} .الإفصاح عن معاني الصحاح (5/ 190)