فهرس الكتاب
وقد بين لنا الله وأخبرنا عن الكتب السابقة التي أنزلها على رسله بأنه استحفظهم عليها بقوله تعالى:"وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء) (1) فزادوا فيها ونقصوا وغيروا وبدلوا، بإخبار الله بذاك. وأما القرآن فإن الله هو الذي تكفل بحفظه. فتبقى السنة خارجة عن ذلك بإشارة الحديث؛ بإمكانية الكذب والوضع على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم. كما أن السنة قد تأخر جمعها وتدوينها عشرات السنين. يضاف إلى ذلك أنهم أجازوا روايتها بالمعنى دون اللفظ بعينه. وقد حصل ذلك بالفعل. وهذا بالقطع والتأكيد يخرجها من أن يتناولها معنى الذكر الذي تكفل الله بحفظه وهو القرآن."
كما أن البيان غير المبيّن، فعندنا بيان ومبيَّن، وكل واحد غير الآخر، فقول الله تعالى: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) (2) ، فالذكر هو المنزل، وهو الذي يحتاج إلى بيان، فكانت السنة هي المبينة. فالذكر المحفوظ في الآية السابقة هو القرآن، والتبيان في هذه الآية هو السنة، وبهذا نستطيع أن نفرق بينهما فلا ينسحب معنى الآية الأولى وهي: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (3) على ما تناولته الآية الثانية من الذكر وتبيانه في قوله تعالى: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) (4) بل يختص بشطر منها وهو الذكر المنزل. أما الشطر الثاني من الآية وهو (. . لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ. .) فإنه أمر آخر غير الذكر، وهو السنة المبينة. والسنة هذه قد تناولها حديث الرسول بقوله: (من كذب علي متعمدًا. . . . ) فقوله (عَلَيَّ) تخصيص للسنة.
(1) سورة المائدة 44.
(2) النحل / 44.
(3) سورة الحجر/ 9.
(4) النحل / 44.