فهرس الكتاب
ومع ذلك فإنه يُلحِق بهذه المسائل أمرًا آخر؛ وهو الاستدلال بحديث الآحاد في العقيدة لاعتباره بأن حديث الآحاد يفيد العلم واليقين. ذلك لأنه يُجري الأحاديث مجرى القرآن في اشتمال كلمة (الذكر) على القرآن والسنة فما ينطبق على القرآن من حيث الحفظ ينطبق على السنة، فأجرى الحديث مجرى القرآن في ذلك وقال بأن حديث الآحاد يفيد العلم.
ويستشهد ابن حزم على ذلك بالآيات التالية، قوله تعالى:"إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ" (1) ، وقوله تعالى:"وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ" (2) ، فالسنة مبينة للقرآن، وكلاهما ذكر محفوظ، فما وصلنا من السنة ذكر، وهو يفيد العلم لأن الحفظ يشملها وهي من الذكر، وكلاهما وحي من الله تعالى.
ونريد الآن أن نناقش ابن حزم في هذا الرأي طرحه ونبين وجه الاستدلال عنده بهذه الآيات.
يقول الله سبحانه وتعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (3) ويقول:"إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ" (4) ، فكلمة الذكر هنا تعني القرآن فقط، ولا تعني السنة المشرفة، فالله تكفل بحفظ القرآن وجمعه وقرآنه. ولكن فيما يتعلق بالسنة فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار) ، فهذا خاص بالسنة، و لا يتصور تعمد الكذب على الله في القرآن، لأن الآية قطعت الطريق على كل ذلك؛ بأن تكفل الله بحفظه. والحديث يشير إلى عدم استحالة الكذب والوضع في السنة. والآية تشير إلى استحالة الكذب في القرآن.
(1) سورة الحجر/ 9.
(2) سورة النحل / 44.
(3) سورة الحجر/ 9.
(4) القيامة / 17.