الصفحة 105 من 169

وأما السنة فقد وضعت فيها المصنفات الكثيرة. فمنها الصحاح، والمسانيد، والسنن، والمعاجم، وهي كثيرة جدًا. وقد ورد الحديث الواحد في الكثير منها على اختلاف في بعض ألفاظه. فأي لفظ من هذه الألفاظ قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ثم إن هناك أحاديث ثبتت عند بعضهم ولم تثبت عند بعضهم الآخر. كما أن بعضهم تشدد في شروط الأخذ والنقل والرواية، وبعضهم الآخر كان أقل تشددًا. فشأن السنة يختلف عن شأن القرآن من حيث انطباق الآية الآنفة الذكر وهي:"إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ" (1) ، فالحفظ يجب أن يكون في كل شيء منه. فلم يزد فيه ولم ينقص منه ولا كلمة واحدة. بخلاف السنة فقد ورد الحديث الواحد على عدة وجوه وبألفاظ مختلفة. وهذا يدل على أن الحفظ المذكور هو خاص بالقرآن الكريم. وأما التبيان المذكور في الآية الثانية"لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ. . ." (2) فإن التبيان واضح ومتسع. والفقهاء والعلماء ساروا في أخذهم للسنة واستنباط الأحكام منها سيرًا تخالفوا فيه على بعضهم. فمع كثرة الأئمة المجتهدين وكثرة الحفاظ المحدثين فإنهم خالفوا بعضهم مخالفات واسعة، وأكثر من خالف في ذلك الإمام ابن حزم رحمه الله، فإنه خالف الأئمة الأربعة في كثير من أقوالهم وآرائهم. وكم من أحاديث أخذها الأحناف وغيرهم وردها هو عليهم وضعفها.

وبهذا كله يتبين أن قول ابن حزم في أن الأحاديث كلها آحادها وغيرها يستدل به في العقيدة قول يحتاج إلى نظر، لأن دليله لا ينطبق على الواقع المذكور من أن كلمة الذكر تشمل القرآن والسنة. وبالتفصيل تخرج السنة من هذا المعنى وتبقى أحاديث الآحاد الظنية في ثبوتها فيسقط رأيه هذا بهذا الاستدلال.

(1) الحجر / 9.

(2) النحل / 44.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت