فهرس الكتاب
أما حفظ السنة من حيث عمومها فهذا لا بد منه، ويجب أن يكون مقطوعًا به، لأن التبيان الوارد في الآية لا بد منه. وقد ثبت أكثره بالتواتر. فهذه أحكام الصلاة والزكاة والحج وغيرها. فقد وردت الآيات القرآنية بذلك مجملة وأتت السنة فبينتها. فقوله تعالى:"أَقِيمُواْ الصَّلاَةَ"، وقوله:"وَآتُواْ الزَّكَاةَ"، وقوله:"وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا" (1) ، وقوله:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ" (2) ؛ كل هذه الآيات مجملة في أحكامها، فأتت السنة وبينت هذا المجمل بالتفصيل في الأركان والشروط والموانع والأسباب والهيئات والمندوبات. وكل ذلك من التبيان المذكور في الآية. وهذا قد حصل فيه بعض الاختلافات بين الأئمة. والأمثلة على ذلك كثيرة تستطيع أن تدرك ذلك بمجرد الرجوع إلى أي كتاب من أمهات الكتب الفقهية.
ونقول للذين تابعوا ابن حزم في رأيه أو وافق اجتهادهم اجتهاده: إن حديث الآحاد - وإن كان صحيحًا يجب العمل به - إلا أنه لا تشمله كلمة الذكر وما يستتبعها من الحفظ، فيبقى في مرتبته؛ وهي ظنية ثبوته. وعلى ذلك فلا يستدل به في العقيدة، و إلا فنكون بذلك قد خالفنا النص الصريح للآيات القطعية الواردة في العقيدة.
والقرآن الكريم والسنة المشرفة كلاهما وحي من الله تعالى - وما في ذلك من مراء- ولكن الوحي له أنواع وحالات مختلفة. يقول الله تبارك وتعالى:"وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء" (3) .
فهذه الثلاثة هي أنواع الوحي حصرًا بدليل الآية الآنفة الذكر. ولكن هذه الأنواع تحتاج إلى تفصيل لنتبين الحالات التي تستتبع كل واحدة منها.
(1) آل عمران / 97.
(2) البقرة / 183.
(3) الشورى / 51.