الصفحة 107 من 169

أما التكليم من وراء حجاب، فلم يكن بواسطة الملك ولا هو حالة من حالات الوحي الأخرى. وإنما هو كلام سمعه موسى عليه السلام ووعاه.

الوحي ومنه يكون إلهامًا يقذفه الله في قلب مصطفاه على وجه من العلم الضروري لا يستطيع له دفعًا ولا يجد فيه شكًا. ومنه ما يكون منامًا صادقًا يجيء في تحقيقه ووقوعه كما يجيء فلق الصبح في تبلجه وسطوعه.

إرسال الملك رسولًا وهو جبريل الأمين عليه السلام وهو ملك كريم، ذو قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين. وذلك النوع هو أشهر الأنواع وأكثرها. ووحي القرآن كله من هذا القبيل وهو المصطلح عليه بالوحي الجلي. قال تعالى في سورة الشعراء:"نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ" (1) .

ثم إن ملك الوحي يهبط على أساليب شتى: فتارة يظهر للرسول في صورته الحقيقة الملكية. وتارة يظهر في صورة إنسان يراه الحاضرون ويستمعون إليه. وتارة يهبط على الرسول خفية فلا يرى ولكن يظهر أثر التغير والانفعال على صاحب الرسالة فيغط غطيط النائم ويغيب غيبته كأنها غشية أو إغماء وما هي في شيء من الغشية والإغماء. إن هي إلا استغراق في لقاء الملك الروحاني، وانخلاع عن حالته البشرية العادية فيؤثر ذلك على الجسم، فيغط ويثقل ثقلًا شديدًا قد يتصبب الجبينُ عرقًا في اليوم الشديد البرد. وقد يكون وقع الوحي على الرسول كوقع الجرس إذا صلصل في أذن صاحبه وذلك أشد أنواعه. وربما سمع الحاضرون صوتًا عند وجه الرسول، كأنه دوي النحل لكنهم لا يفقهون حديثًا. أما هو صلوات الله وسلامه عليه فإنه يسمع ويعي ما يوحى إليه، يعلم علمًا ضروريًا أن هذا هو وحي الله دون لبس ولا خفاء، ومن غير شك ولا ارتياب. فإذا تجلى عنه الوحي وجد ما أوحى إليه حاضرًا في ذاكرته منتقشًا في حافظته كأنما كتب في قلبه كتابة. (2)

(1) الشعراء/ 193 - 195.

(2) مناهل العرفان ص 64 ج 1.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت