الصفحة 108 من 169

يقول الله تبارك وتعالى:"وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى" (1) . وفي الحديث الذي يرويه البخاري في صحيحه عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن الحارث بن هشام سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحي؟فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أحيانًا مثل صلصلة الجرس ـ وهو أشده علي ـ فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال. وأحيانًا يتمثل لي الملك رجلًا فيكلمني فأعي ما يقول"قالت عائشة: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقًا."

هذه حالات الوحي الثلاث والقرآن خاص بواحدة منها وهي نزول الملك إليه. ثم بعد فراغه من التلقي يأمر الكُتّاب عنده بالكتابة، فكان يدون أولًا بأول، ويحفظه الحاضرون أولًا بأول ويبلغونه إلى غيرهم. حتى انتشر حفظه في زمن الرسول -صلى الله عليه وسلم- في الصدور كما انتشر تدوينه أيضا في الصحف والرقاع حتى جمع زمن أبي بكر رضي الله عنه في مصحف واحد.

وأما السنة فلم تدون آنذاك، حتى أن الرسول منع من كتابة شيء عنه غير القرآن وقال:"من كتب عني شيئا غير القرآن فليمحه"هذا مع إذنه لبعض الصحابة بكتابة بعض الأحاديث في صحفهم وهي قليلة جدًا ولم تجمع السنة إلا بعد قرن من الزمان.

فمع كون القرآن والسنة وحيًا من الله إلا أن القرآن محفوظ بحفظ الله له، وهو (الذكر) الوارد في الآية السابقة. وأما السنة فإن رواة الحديث والفقهاء والمجتهدين تحروا الدقة والتشدد في جمعها وتدوينها، وبذلك قسموها إلى قطعي الثبوت وظني الثبوت، وهذا الذي نحن بصدده؛ وهو أن ظني الثبوت لا يفيد العلم واليقين، وبالتالي لا يجوز الاستدلال به على العقيدة، حسب دلالة الآيات الواردة في العقيدة.

(1) النجم / 3 - 4.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت