فهرس الكتاب
ونريد أن نذكر ابن القيم رحمه الله أيضا بموقف آخر من مواقف ابن حزم. يقول رحمه الله في كتابه (الفصل. .) في معنى الاستواء: (القول الرابع) : في معنى الاستواء هو أن معنى قوله تعالى:"عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى" (1) ؛ أنه فعل فعله في العرش؛ وهو انتهاء خلقه إليه. فليس بعد العرش شيء ويبين ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر الجنات وقال:"فاسألوا الله الفردوس الأعلى فإنه وسط الجنة وأعلى الجنة، وفوق ذلك عرش الرحمن"، فصح أنه ليس وراء العرش خلق، وأنه نهاية جرم المخلوقات الذي ليس خلفه خلاء ولا ملاء، ومن أنكر أن يكون للعالم نهاية من المساحة والزمان والمكان فقد لحق بقول الدهرية وفارق الإسلام. والاستواء في اللغة يقع على الانتهاء. قال الله تعالى:"وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا" (2) ؛ أي: فلما انتهى إلى القوة والخير. وقال تعالى:"ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ" (3) ، أي: إن خلقه وفعله انتهى إلى السماء بعد أن رتب الأرض على ما هي عليه، وبالله التوفيق وهذا هو الحق وبه نقول لصحة البرهان به وبطلان ما عداه (4) .
ولنأت الآن إلى أقوال ابن القيم رحمه الله الواردة في كتابه الصواعق المرسلة: يقول ما نصه (5) (خبر الواحد حسب الدليل الدالّ عليه، فتارة يجزم بكذبه لقيام دليل كذبه، وتارة يظن كذبه إذا كان دليل كذبه ظنيًا، وتارة يتوقف فيه فلا يترجح صدقه ولا كذبه؛ إذا لم يقم دليل أحدهما. وتارة يترجح صدقه ولا يجزم به، وتارة يجزم بصدقه جزمًا لا يبقى معه شك، فليس خبر كل واحد يفيد العلم ولا الظن ولا يجوز أن ينفى عن خبر الواحد مطلقًا أنه يحصّل العلم، فلا وجه لإقامة الدليل على أن خبر الواحد لا يفيد العلم و إلا اجتمع النقيضان.
(1) طه / 5.
(2) القصص / 14.
(3) فصلت / 11.
(4) الفصل في الملل والأهواء والنحل ج 2 ص 98
(5) الصواعق المرسلة ص 359 ج 1