فهرس الكتاب
نقول وبالله التوفيق ردًا على هذا القول: إن المسألة حققها وقررها علماء الأصول في الحديث وأصول الفقه، فقسمتهم أنواع الحديث إلى متواتر وآحاد وإلى قطعي وظني، هذا التقسيم لم يوضع عبثًا، بل لأمر في ذاته تستلزم عليه أمور. أي هي أدلة يستدل بها. فعندما يفيد الحديث المتواتر القطع والعلم يفيده لذاته لا بدليل دل عليه، لأن قولهم هذا يعني أن حديث الآحاد يفيد الاستدلال به في كل الوجوه بحسب الدليل الدال على ذلك، فخرج عن كونه يفيد العلم لذاته. وذهب تحقيق علماء الأصول - أصول الفقه وأصول الحديث- سدى و تقريراتهم ذهبت أدراج الرياح، وأصبحت هذه التقريرات لا طائل تحتها ولا لزوم لها ما دام أن حديث الآحاد يفيد الظن والوهم والكذب والعلم والتوقف بحسب الأدلة المصاحبة له. ولذلك يصبح البحث ليس في حديث الآحاد وإنما في الدليل الذي يصاحبه وهو القرائن، يقول الإمام أبو عمر يوسف بن عبد البر: (فإن قبول خبر الواحد مستفيض عند الناس مستعمل لا على سبيل الحجة لأنا لا نقول: إن خبر الواحد حجة في قبول خبر الواحد على من أنكر(1) فنعود بذلك إلى السير في حلقة مفرغة، إذ إن كل خبر من أخبار الآحاد يحتاج إلى خبر آخر يدعمه وهذا يحتاج إلى آخر وهكذا. فمثل هذا القول لا يستقيم عقلًا، وإنما الظن هو اسم لما يحصل عن أمارة، فبقوة هذه الأمارة يتقوى، وبضعفها يضعف ولكنه لا يفيد العلم مطلقًا، لأن الأمارات شيء والدليل شيء آخر، وإنما يفيد الترجيح، وكذلك فهو ليس بكذب بل هو صحيح فيفيد ترجيح أحد الاحتمالين ولا يتوقف فيه.
(1) الاستذكار ص 48