الصفحة 112 من 169

قال الشافعي في الرسالة: يصدق الراوي عندنا ولا يناقض. هذا نصه في الرسالة، فإنه نفى هنالك أن يكون العلم المستفاد منه مساويًا للعلم المستفاد من نص الكتاب وخبر التواتر. وهذا حق لأن العلم يتفاوت في القوة والضعف. وقد قال القاضي في رواية حنبل عن أحمد في حديث الرؤية: نؤمن بها ونعلم أنها حق. قال: نقطع على العلم بها. وذهب إلى ظاهر هذا الكلام جماعة من أصحابنا وقالوا: خبر الواحد إن كان شرعيا أوجب العلم، وهذا محمول عندي على وجه صحيح من كلام أحمد، وأنه يوجب العلم من طريق الاستدلال، لا من جهة الضرورة، والاستدلال يوجب العلم من أربعة أوجه:

(أحدها) أن تتلقاه الأمة بالقبول؛ فيدل ذلك على أنه حق، لأن الأمة لا تجتمع على خطأ، وأن قبول الأمة يدل على أن الحجة قد قامت عندهم بصحته، لأن العادة أن خبر الواحد الذي لم تقم به الحجة لا تجتمع الأمة على قبوله؛ وإنما يقبله قوم ويرده قوم. (1)

أما جواب ذلك فإن هذا القول يسقط الاحتجاج به عندما تبين أن الأمة ليست معصومة عن الخطأ، وليست ذات إجماع، وأن تلقيها لشيء بالقبول لا يعني أنها معصومة، ولا يعني أن ذلك الخبر يفيد العلم والقطع. وسنبين فساد القول بإجماع الأمة وعصمتها فيتهاوى هذا الدليل ويسقط به الاحتجاج.

ولا بد لنا الآن من معرفة أن هنالك فرقًا بين الرواية والشهادة والخبر.

فالرواية تعتمد على نقل العدل الضابط عن مثله، من مبتدأ السلسلة إلى منتهاها، ويجوز بذلك أداء الواحد عمن سبقه إلى النهاية، ويجوز أخذ الولد عن أبيه، والأخ عن أخيه؛ سواء بقوله: حدثني، أو: أخبرني، أو بالعنعنة أو بالوجادة.

(1) من الصواعق المرسلة ص 359

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت