فهرس الكتاب
ولكن الشهادة في القضاء تختلف عن ذلك، فإنه مع اشتراط العدالة لا يشترط الحفظ، ولكن لا يجوز أداء الشهادة بنقل الشاهد عمن رأى أو سمع، فلا بد من أداء الشهادة بالمعاينة أو السماع المباشر. كما أنه لا تقبل شهادة الابن لأبيه، ولا الأب لابنه، ولا الأخ لأخيه، فيكون بذلك التحوط أمنع في أداء الشهادة. ومع ذلك فإن القاضي بعد توفر البينات يحكم بما يترجح عنده أنه الصواب، فيكون حكمه قائمًا على غلبة الظن، ولو كان في ذلك قتل نفس مؤمنة أو أخذ مال محترم. وإذا تبين للقاضي خطؤه في الحكم بعد التنفيذ؛ فلا عليه من شيء، وإنما يكون بذلك قد حصل على الأجر الذي ذكره الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله:"للحاكم إذا اجتهد فأخطأ فله أجر. ."، ولا بد من أن نأتي على هذه الفوارق بالتفصيل:
هنالك فوارق بين الرواية والشهادة والتبليغ، ولكل واحدة من هذه الثلاثة مقام توضع فيه وشروط متطلبة تختلف عن بعضها. وهي وإن كانت كلها أخبارًا؛ إلا أن محل كل واحدة يغاير الأخرى، فالرواية إخبار، والشهادة إخبار، والتبليغ إخبار.
فالرواية محلها السنة والتاريخ واللغة. فيشترط في كل واحدة من هذه الثلاثة عند نقلها شروط في غاية الدقة والضبط والتوثيق.
فالعدالة والضبط والثقة واتصال السند لا بد منها في الرواية. وبهذا حفظ الدين، فحفظ القرآن الكريم بحفظ الله له"إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ" (1) ، فنقلته الأجيال عن الأجيال بالحفظ والتلقين والمشافهة والكتابة في المصاحف. ونقلت السنة إلينا بالرواية والإسناد المتصل، نقلًا تحرى الناقلون فيه منتهى الدقة والتثبت من العدول الثقات عن مثلهم من أول السند إلى منتهاه. وهي قسمان:
الأول: قسم بلغ نقلته حدًا يقطع العقل معه باستحالة تواطئهم على الكذب، وهو الحديث المتواتر. مثل قوله صلى الله عليه وسلم:"من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار"، ومثل الصلوات والصيام والحج.
(1) الحجر / 9.