الصفحة 123 من 169

ولا يقبل خبر الواحد في منافاة حكم العقل وحكم القرآن الثابت المحكم والسنة المعلومة. والفعل الجاري مجرى السنة، وكل دليل مقطوع فيه. وإنما يقبل به فيما لا يقطع به مما يجوز ورود التعبد به، كالأحكام التي تقدم ذكرنا لها وما أشبهها مما لم نذكره، ويقول الإمام الغزالي (1) (مسألة: اعلم أنا نريد بخبر الواحد في هذا المقام ما لا ينتهي من الأخبار إلى التواتر للعلم، فما نقله جماعة من خمسة أو ستة مثلا فهو خبر الواحد. وأما قول الرسول عليه الصلاة والسلام مما علم صحته فلا يسمى خبر الواحد. وإذا عرفت فنقول: خبر الواحد لا يفيد العلم وهو معلوم بالضرورة، فإنا لا نصدق بكل ما نسمع، ولو صدقنا وقدرنا تعارض خبرين فكيف نصدق بالضدين، وما حكي عن المحدثين من ذلك يوجب العلم، أرادوا أنه يفيد العلم بوجوب العمل، إذ يسمى الظن علمًا، ولهذا قال بعضهم: يورث العلم الظاهر، والعلم ليس له ظاهر وباطن، وإنما هو الظن، ولا تمسك لهم بقوله تعالى:"فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ"(2) وأنه أراد الظاهر؛ لأن المراد به العلم الحقيقي بكلمة الشهادة التي هي ظاهر الإيمان دون الباطن الذي لم يكلف به. والإيمان باللسان يسمى إيمانًا مجازًا. ولا تمسك لهم في قوله تعالى:"وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ" (3) ، وأن الخبر لو لم يفد العلم لَما جاز العمل به، لأن المراد بالآية منع الشاهد عن جزم الشهادة إلا بما يتحقق. وأما العمل بخبر الواحد فمعلوم الوجوب بدليل قاطع أوجب العمل عند ظن الصدق، والظن حاصل قطعًا).

وهذا ابن حجر العسقلاني يقول نقلًا عن الكرماني صاحب كتاب"النجوم الدراري في شرح صحيح البخاري": (ليعلم إنما هو في العمليات لا في الاعتقاديات) (4) وذلك عند بحثه قبول خبر الواحد، وسكت عليه. وإنما أورد هذه الجملة عن الكرماني أخذًا بها وتبنيًا لهذا الرأي.

(1) المستصفى ص 170

(2) الممتحنة / 10.

(3) الإسراء / 36.

(4) فتح الباري ج 16 ص 360

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت