الصفحة 124 من 169

وهذا الإمام القرافي من كبار أئمة المالكية فإنه يورد هذا الموضوع في أكثر من موضع. فهو يقول (1) : (وأما قول القاضي: لو علم بالتواتر لحصل العلم؛ فمسلّم. قوله: وارتفع الخلاف ممنوع فإن التواتر لا يلزم عمومه لجميع الناس) ، (وقال في مستند التوقف: لو علم مسمى هذه الصيغ لعلم إما بالعقل وهو باطل؛ لعدم استقلال العقل لدرك اللغات. أو بالنقل وهو إما بالتواتر وهو باطل، وإلا لعلمه الكل؛ لأن التواتر مفيد للعلم، أو آحاد وهو باطل لأن الآحاد لا تفيد إلا الظن والمسألة علمية...) .

ثم قال في نفس المصدر ما نصه (2) : قال القاضي عبد الوهاب في الملخص ما نصه: اختلف الناس في جواز التعبد بخبر الواحد، فقال به الفقهاء والأصوليون، وخالف بعضُ المتكلمين. والقائلون في جواز التعبد به اختلفوا في وقوع التعبد به، فمنهم من قال: لا يجوز التعبد لأنه لم يرد التعبد به، بل ورد السمع بالمنع منه، ومنهم من يقول: يجوز العمل به إذا عضده غيره ووجد أمر يقويه. ومنهم من يقول: لا يقبل إلا خبر اثنين فصاعدا ًإذا كانا عدلين ضابطين قاله الجبائي, وحكى المازري وغيره أنه قال: لا يقبل في الأخبار التي تتعلق بالزنا إلا أربعة قياسًا للرواية على الشهادة.

حجة من قال بعدم جواز التعبد به، أن التكاليف تعتمد تحصيل المصالح ودفع المفاسد. وذلك يقتضي أن تكون المصلحة والمفسدة معلومة، وخبر الواحد لا يفيد إلا الظن، وهو يجوز خطؤه، فيقع المكلف في الجهل والفساد، وهو غير جائز. وهذه الحجة باطلة إما لأنها مبنية على قاعدة الحسن والقبح؛ ونحن نمنعها. أو لأن الظن إصابته غالبة، وخطؤه نادر، ومقتضى القواعد أن لا تترك المصالح الغالبة للمفسدة النادرة، فلذلك أقام صاحب الشرع الظن مقام العلم لغلبة صوابه وندرة خطئه.

(1) تنقيح الفصول ص 192

(2) تنقيح الفصول ص 357.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت