فهرس الكتاب
أما الآيات فقوله تعالى:"وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا" (1) فالآية وإن كانت قطعية الثبوت فإنها ظنية الدلالة، وإجماع الأمة دليل شرعي فلا بد أن يثبت بدليل قطعي الثبوت قطعي الدلالة لأنه من الأصول، ثم إن الهدى المذكور في الآية هو ما صاروا به مؤمنين وهو التوحيد. وغير سبيل المؤمنين هنا هو الكفر. وسبب نزول الآية يعين الموضوع وإن كان يعم كل ما انطبق عليه، فهي خاصة في موضوع الارتداد، فلا تعم كل سبيل المؤمنين. ثم إن الأمر بالشيء ليس نهيًا عن ضده. ذلك أن الأمر أو النهي هو خطاب الشارع الدال على الحكم. ودلالته على الحكم دلالة منطوق لا دلالة مفهوم، لأن الحكم فهم من دلالة اللفظ - قطعًا- في محل النطق، فهو من دلالة المطابقة أو التضمن وليس من دلالة الالتزام، أي ليس من دلالة المفهوم. فالخطاب الدال على الحكم لا مفهوم له من حيث دلالته على الحكم أي: الوجوب أو الندب أو التحريم أو الكراهة أو الإباحة، حتى ولو كان له مفهوم من حيث الصفة فقوله صلى الله عليه وسلم:"في الغنم السائمة زكاة". أفاد منطوق اللفظ حكمًا هو وجوب الزكاة في الغنم السائمة، ولم يفد حكمًا هو عدم إخراج الزكاة من غير السائمة. لأن الغنم المعلوفة لم يتعلق بها حكم. وفرق بين دلالة الخطاب وبين مفهوم الصفة. فدلالة الخطاب هو وجوب الزكاة. ومفهوم الصفة هو حصر الحكم فيما تتوفر فيه هذه الصفة. وعدم إخراج الزكاة من الغنم المعلوفة ليس حكمًا شرعيًا من الأحكام الخمسة (2) : الفرض والمندوب والحرام والمكروه والمباح. كما أن تحريم التأفيف للوالدين الوارد في قوله تعالى:"فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ" (3) فإنه من حيث دلالة الخطاب على الحكم لا مفهوم له، وهو
(1) النساء / 115.
(2) الشخصية الإسلامية ج 3 ص 220
(3) الإسراء / 23.