الصفحة 163 من 169

كما أن المحتجين بتلقي الأمة بالقبول لمثل هذه الأحاديث - أحاديث البخاري ومسلم- أنه يعني الإجماع والأمة في مجموعها لا تخطئ بل هي معصومة عن الخطأ، فقد بينا أن الإجماع الذي يحتج به هو إجماع الصحابة فقط، ولا يجوز أن يكون هناك إجماع آخر يحتج به ويعتبر مصدرًا من مصادر التشريع: لا إجماع المجتهدين في كل عصر، ولا إجماع أهل المدينة، ولا إجماع العترة، ولا إجماع أهل الحل والعقد. للأدلة المتضافرة على ذلك. وكيف تعطى الأمة صفة العصمة والخطأ والكذب والغدر ممكن عليها؟ ووجود الفرق الضالة والخارجة عن الإسلام والتي أشهرت السيف في وجه جماعة المسلمين وخلفائهم كثيرة في التاريخ الإسلامي. فالمحتجون بهذا القول هو ادعاء بلا حجة ولا برهان. كما أن أحاديث البخاري ومسلم تبقى كغيرها من الأحاديث تخضع لنفس الشروط التي وضعها علماء مصطلح الحديث، وبالتالي فإنها تدخل في المراتب التي قسم الحديث إليها. هذا مع أن أحاديث البخاري ومسلم تتميز عن غيرها بأن يطمأن إليها ويستأنس بها أكثر من غيرها لكن الاحتجاج والاستدلال بها وبغيرها يكون بحسب حيازة الشروط المنصوص عليها.

لذلك فإن إجماع الأمة ليس مصدرًا من مصادر التشريع، كما أن الأمة ليست معصومة عن الخطأ، وتلقيها شيئا بالقبول لا يعني أنه وصل إلى درجة القطع واليقين.

وأما العلماء الذين قالوا بجواز أخذ الظني في العقيدة فهم قلة قليلة وليسوا بجانب القائلين بعدم الجواز إلا شيئًا يسيرًا. فجمهور علماء المسلمين وفي مختلف الأعصر يقولون بعدم أخذ الظني في العقيدة وقد أوردنا أقوال طائفة منهم.

فهل بعد هذا البحث والتفصيل يبقى مجال لقائل أن يقول بجواز أو وجوب أخذ الظني في العقيدة؟ فليعاود القائلون بالجواز النظر في أقوالهم هذه ويصححوا رأيهم ويعودوا إلى جادة الصواب. والرجوع إلى الصواب ليس عيبًا في دين الله وإنما هو فضيلة من الفضائل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت