فهرس الكتاب
وكما تبين معنا أن تدوين اللغة كان سابقًا لتدوين الحديث والذين قاموا بتدوين اللغة وجمعها من أفواه الأعراب يجوبون البوادي ويغشون المضارب إنما كانوا في حد ذاتهم علماء في الحديث والفقه أيضًا، ولكن حرصهم على القرآن والحفاظ على لغته من أن يتطرق إليها اللحن والفساد مع اهتمامهم بفهم القرآن وحفظه. كل ذلك دعاهم إلى أن يبادروا إلى تدوين اللغة وجمعها ووضع المعاجم وكتب المفردات ومع تأصيل النحو وتقعيد قواعد اللغة. كل ذلك كان في آواخر القرن الأول وبداية القرن الثاني الهجري، ولذلك تأخر جمع الحديث وتدوينه التدوين الجماعي في الصحاح والمسانيد والسنن. ولذلك لم يحتج علماء النحو واللغة بالأحاديث للاستدلال على اللغة، ووضع قواعدها إلا نفر قليل كابن مالك وابن خروف وكانا متأخرين، وقد انبرى لهما كثير من العلماء يفندون آراءهما، ويبنيون فساد هذا المنحى، وأنه لم يعتد به العلماء والمحققون من أهل اللغة وأصحاب هذا الفن.
وكان الداعي إلى ذلك هو اتفاق علماء الحديث- إلا من شذ- على جواز رواية الحديث بالمعنى. وهذا قد حصل بالفعل لا سبيل إلى دفعه وإنكاره، لأن واقع الحال يثبت أن الحديث روي بالمعنى، وأن الكثرة الكاثرة من الحديث الشريف ورد بطرق متعددة وبألفاظ مختلفة مع الحرص على موافقة المعنى.
فإذا كان علماء اللغة لم يحتجوا بالحديث في إثبات اللغة وتقريرها فما بال العقيدة وهي أصل لكل حياة المسلمين وأصل لبناء مجتمعهم وحياة أفرادهم وأصل لبقاء لغتهم حية ناصعة. إذ لولا القرآن والحفاظ عليه لما حصل هذا الاهتمام البالغ باللغة إلى حد يبهر العقول، يشهد على ذلك الكتب التي ألفت فيه، وتضلع العلماء الذين قاموا على هذا الأمر وكثرتهم.
ورغم المحاولات التي بذلت وتبذل لضرب اللغة العربية واستعمال العامية بدل الفصحى فإن الله يحفظها حفظًا لكتابه"إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ".