الصفحة 59 من 169

قال الإمام السيوطي (1) : كانت قريش أجود العرب انتقاء للأفصح من الألفاظ، وأسهلها على اللسان عند النطق، وأحسنها مسموعًا وإبانة عما في النفس. والذين نقلت عنهم اللغة العربية وبهم اقتدي وعنهم أخذ اللسان العربي من قبائل العرب هم: قيس، تميم، وأسد، فإن هؤلاء هم الذين عنهم أكثر ما أخذ ومعظمه، وعليهم اتكِل في الغريب والإعراب والتصريف. ثم هذيل وبعض كنانة وبعض الطائيين ولم يؤخذ عن غيرهم من سائر قبائلهم.

وبالجملة فإنه لم يؤخذ عن حضري قط، ولا عن سكان البراري، ممن كان يسكن بأطراف بلادهم التي تجاور سائر الأمم الذين حولهم.

فإنه لم يؤخذ لا من لخم ولا من جذام، فإنهم كانوا مجاورين لأهل مصر والقبط، ولا من قضاعة ولا من غسان، ولا من إياد، فإنهم كانوا مجاورين لأهل الشام، وأكثرهم نصارى يقرأون في صلاتهم بغير العربية، ولا من تغلب ولا من النمر؛ فإنهم كانوا بالجزيرة مجاورين لليونانية، ولا من بكر؛ لأنهم كانوا مجاورين للنبط والفرس، ولا بد من أزد عمان؛ لمخالطتهم للهند والفرس، ولا من عبد القيس؛ لأنهم كانوا سكان البحرين مخالطين للهند والفرس، ولا من أهل اليمن؛ لمخالطتهم للهند والحبشة؛ ولولادة الحبشة فيهم، ولا من بني حنيفة وسكان اليمامة، ولا من ثقيف وسكان الطائف؛ لمخالطتهم تجار الأمم المقيمين عندهم، ولا من حاضرة الحجاز؛ لأن الذين نقلوا اللغة صادفوهم حين ابتدأوا ينقلون لغة العرب قد خالطوا غيرهم من الأمم وفسدت ألسنتهم.

والذي نَقَلَ اللغةَ واللسانَ العربي من هؤلاء؛ وأثبتهما في كتاب؛ وصيرها علمًا وصناعة؛ هم أهل الكوفة والبصرة فقط من بين أمصار العرب. ونقل ذلك أبو حيان في شرح التسهيل، معترضًا به على ابن مالك، حيث عني في كتبه بنقل لغة لخم وخزاعة وقضاعة و غيرهم، وقال: (ليس ذلك من عادة أئمة هذا الشأن) .

تدوين اللغة والحديث

(1) كتاب الاقتراح للسيوطي ص 56

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت