الصفحة 60 من 169

لقد كان الهدف الأسمى والمقصد الأرفع من تدوين اللغة العربية، وجمع مفرداتها، ووضع النحو بشكل خاص؛ هو لخدمة القرآن الكريم وحفظه والاستعانة على فهمه، وبالتالي حفظ لغته من أن يمتد إليها الفساد فتفسد.

كما أن الدراسات الفقهية لها ارتباط وثيق بالدراسات اللغوية. فهذا أبو الأسود الدؤلي- وهو واضع علم النحو بالاتفاق- قد أخذ عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه بعض مبادئ في علم النحو. وعليه تتلمذ الخليل بن أحمد. ولقد كان اهتمام جلة العلماء باللغة العربية بارزًا في اهتمامهم برواية الشعر وحفظ الأراجيز، حتى أن حبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما كان يحفظ المئات، بل الآلاف من القصائد المطولة، والأراجيز المؤلفة عن الشعراء الجاهليين وبعض الإسلاميين.

أما العمل في المفردات اللغوية؛ فقد كان جمعها مشافهة عن الأعراب، ومن البوادي، وقد هب عشرات العلماء الأفذاذ، وتفرغوا لهذا المقصد النبيل، وكانوا يرتادون البوادي، ويتصلون بالأعراب في مضاربهم، يسمعون منهم ويسألونهم ويخالطونهم، كل ذلك بدافع المحافظة على القرآن وفهمه وإتقان قراءته. وكان ذلك في نهاية القرن الأول الهجري ومع بزوغ فجر القرن الثاني. وهذه الفئة التي قامت بجمع اللغة وتدوينها تميزت بميزتين هما: الثقة والورع. كما أنهم كانوا رواة للحديث. فإذا ما رجعنا إلى كتب تواريخ الرجال وكتب الجرح والتعديل؛ وجدنا حشدًا كبيرًا من هؤلاء قد عنوا برواية الحديث والقراءات إلى جانب العلوم اللغوية.

فهذا أبو الأسود الدولي -المتوفى سنة 69 هجرية- قد بدأ في وضع علم النحو، وتنقيط المصاحف، وقد كان عمله لخدمة القرآن الكريم. وكان معدودًا في طبقات من الناس، وهو في كلها مقدم مأثور عنه الفضل في جميعها: كان معدودًا من التابعين والفقهاء والشعراء والمحدثين والأشراف والفرسان والأمراء والدهاة والنحويين والحاضري الجواب. . . .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت