الصفحة 62 من 169

ولا يعني هذا أن الحديث لم يكتب قط. بل كان هناك كتابات كثيرة حتى في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم. فهذه الصحيفة الصادقة؛ صحيفة عبد الله بن عمرو بن العاص. وهذه صحيفة حكيم بن حزام وغيرهما كثير. ولكن المسألة لم تَعْدُ كونها كتابات فردية، وصحائف هنا وهناك. ومع أنه كان هناك نصوص تنهى عن كتابة الحديث، ونصوص أخرى تبين أن الرسول سمح لبعض الصحابة بكتابة الحديث. ومع وجود فئتين، إحداهما تقول بالكتابة وأخرى تقول بالمنع، إلا أن الأمر لا يبحث من هذه الناحية، وإنما يبحث من حيث الواقع التاريخي الذي حصل بالفعل. ومن حيث الجمع والتدوين الجماعي. تلك الحملة التي استقر عليها وبها علم الحديث، وبعدها وضع علم الجرح والتعديل، وعلم مصطلح الحديث، والبحث في أحوال الرواة، وتدوين تواريخ الرجال. هذا أمر تأخر عن جمع اللغة وتدوينها وتدوين مفرداتها، وتأخر علم النحو الذي وضع أسه أبو الأسود الدؤلي، بإشارة من علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ثم تبعه الخليل بن أحمد، وسيبويه، ومن بعدهم أو عاصرهم من ذلك الحشد الهائل من العلماء الأفذاذ.

واللغة العربية بشتى علومها لها ارتباط وثيق بعلم الحديث والفقه والتفسير. فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه قام فخطب الناس وسألهم عن كلمة:"تَخَوُّف"، (أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ) (1) . فقام إليه رجل هذلي، وقال له: التخوّف: التنقُّص. قال الشاعر:

تَخَوَّفَ الرَّحْلُ منها تَامِكًا قَرِدًا كما تَخَوَّفَ عُوْدَ النَّبْعَةِ السَّفَنُ

فقال عمر رضي الله عنه: عليكم بديوان العرب (2) ، فإن فيه تفسير كتابكم. -يعني القرآن-.

(1) النحل / 47

(2) ديوان العرب هو الشعر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت