فهرس الكتاب
وأما اختلاف الفقهاء في استنباطاتهم للأحكام؛ فلها مساس في اختلافاتهم في الفهم والرواية. فهذا قول الرسول صلى الله عليه وسلم:"ذكاة الجنين ذكاة أمه"، فإن كلمة"ذكاة"الثانية فهمها مالك والشافعي رحمهما الله تعالى بالرفع فقالا: ذكاته بذكاة أمه فلا يحتاج إلى ذكاةٍ جديدة. وأما أبو حنيفة رحمه الله فقد فهم كلمة ذكاة الثانية بالنصب فقال يحتاج إلى ذكاة جديدة، إذ قال: ذكاة الجنين أن يذكى ذكاة مثل ذكاة أمه. ومثل هذا كثير في الكتاب والسنة. فاختلاف الحركات وعلامات الإعراب يؤدي إلى الاختلاف بالمعنى، والشواهد على ذلك كثيرة.
يقول الإمام الحافظ محمد بن عبد الرحمن المباركفوري (1) : اعلم -علمني الله وإياك- أن آثار النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن في عصر النبي صلى الله عليه وسلم وعصر الصحابة مدونة في الجوامع ولا مرتبة لوجهين:
أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نهوا عن ذلك عن ذلك كما ثبت في صحيح مسلم خشية أن يختلط بعض ذلك بالقرآن العظيم.
والثاني: سعة حفظهم وسيلان أذهانهم، ولأن أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة، ثم حدث في أواخر عصر التابعين تدوين الآثار وتبويب الأخبار، لما انتشر العلماء في الأمصار، وكثر الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار.
فأول من جمع ذلك الربيع بن صبيح وسعيد بن أبي عروبة وغيرهما، فكانوا يصنفون كل باب على حِدَة، إلى أن قام كبار أهل الطبقة الثالثة في منتصف القرن الثاني للهجرة فدونوا الأحكام.
فصنف الإمامُ مالكٌ الموطأَ، وتوخّى فيه القوي من حديث أهل الحجاز، ومزجه بأقوال الصحابة والتابعين ومن بعدهم.
(1) مقدمة (تحفة الأحوذي) ج1 ص 24