الصفحة 65 من 169

ومنهم من صنف على الأبواب والمسانيد معًا، كأبي بكر بن شيبة، وقال الحافظ بن الأثير الجزري في مقدمة جامع الأصول: لما انتشر الإسلام، واتسعت البلاد، وتفرقت الصحابة في الأقطار، وكثرت الفتوح، ومات معظم الصحابة، وتفرق أصحابهم وأتباعهم، وقل الضبط؛ احتاج العلماء إلى تدوين الحديث وتقييده بالكتابة، ولعمري إنها الأصل، فإن الخاطر يغفل، والذهن يغيب، والذكر يهمل، والقلم يحفظ ولا ينسى. فانتهى الأمر إلى جماعة من الأئمة، مثل عبد الملك بن جريج، ومالك بن أنس، وغيرهما ممن كان في عصرهما. فدونوا الحديث، حتى قيل: إن أول كتاب صنف في الإسلام كتاب ابن جريج، وقيل: موطأ مالك. وقيل: أول من صنف وبوب الربيع بن صبيح بالبصرة، ثم انتشر جمع الحديث وتدوينه، وسطره في الأجزاء والكتب، وأُكثِر من ذلك، وعظم نفعه إلى زمن الإمامين أبي عبد الله بن محمد بن إسماعيل البخاري، وأبي الحسن مسلم بن الحجاج النيسابوري. فدونا كتابيهما، وأثبتا من الأحاديث ما قطعا بصحته، وثبت عندهما نقله، وسميا كتابيهما الصحيح من الحديث، وأطلقا هذا الاسم عليهما، وهما أول من سمى كتابه بذلك، ولقد صدقا فيما قالا وبَرَّا فيما فعلا، ولذلك رزقهما الله حسن القبول، في شرق الأرض وغربها، وبرها وبحرها، والتصديق لقولهما، والانقياد لهما، ولسماع كتابيهما ، وهو ظاهر مستغنٍ عن البيان، ثم ازداد انتشار هذا النوع من التصنيف والجمع والتأليف، وتفرقت أغراض الناس، وتنوعت مقاصدهم إلى أن انقرض ذلك العصر الذي كانا فيه، وجماعة من العلماء قد جمعوا وألفوا، مثل أبي عيسى محمد بن عيسى الترمذي، وأبي داوود سليمان بن الأشعث السجستاني، وأبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي، وغيرهم من العلماء الذين لا يحصون. وكان ذلك العصر خلاصة العصور في تحصيل هذا العلم. ثم من بعده نقص هذا الطلب وقل ذلك الحرص وفترت تلك الهمم. وكذلك كل نوع من العلوم والصنائع والدول وغيرها، فإنه يبتدئ قليلًا قليلًا،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت