الصفحة 87 من 169

وعليه لا يصح أن يخلط بين الاستدلال على الحكم؛ وبين إقامة الدليل على أن هذا الحكم هو حكم الله. فإقامة الدليل على أن الحكم حكم الله لا بد أن يكون دليلًا قطعيًا، وأما الاستدلال على الحكم فيكون بالإتيان بنص شرعي يحوى هذا الحكم. أما قول المعترض:"ومن هنا يتضح اللبس من أن حديث الآحاد قد قام دليلًا على المسألة فصح الاعتقاد بها وبذلك لا نكون قد اتبعنا شيئًا ما لنا به من سلطان وإنما لنا سلطان وهو حديث الآحاد"، هذا الاعتراض يزول بأن حديث الآحاد لم يقم دليلًا على المسألة ولا يصلح دليلًا لها، وإنما استدل به على أنه يحوي المسألة، فهو ليس سلطانًا أي ليس دليلًا قاطعًا على إثبات المسألة، وإنما هو دليل على أنه يحويها وبطريق الظن. ولذلك كان الاستدلال على الكتاب والسنة بأنها أصل الأحكام الشرعية دليلًا على إثباتها، وكذلك سائر الأدلة، فلا بد أن يكون قطعيًا لأنه دليل أي سلطان. وأما الاستدلال على حكم شرعي بآية أو حديث فهو ليس دليلًا على إثبات ذلك الحكم، بل دليل على أن الآية والحديث تحوي ذلك الحكم. وعليه يكون الاعتقاد بما ثبت بحديث الآحاد أو آية ظنية الدلالة اعتقادًا بغير سلطان، إن أُخِذَ الحديثُ أو الآيةُ دليلًا على إثباته، لأن كلًا منهما لا يصلح للإثبات، لأنه ليس قطعيًا، وإن استدل بالحديث والآية عليه بأنه يحويه فإنه يكون اعتقادًا بغير دليل، لأنه في هذه الحالة لم يكن دليلًا على إثبات الحكم، وإنما هو دليل بأنه يحوي الحكم، فعلى أي حالٍ؛ الاعتقاد بناء على الظني يكون اعتقادًا منا لشيء ما لنا به من سلطان وإنما هو ظن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت