فهرس الكتاب
فبينت هذه الآيات بأنه لا بد من العلم وهو القطع واليقين ونددت عليهم بالظن فقط. والظن في مدلوله اللغوي هو إفادة الاحتمالين مع ترجيح أحدهما. فكيف يجوز الاستدلال بالاحتمال في الأصول، والأصول لا يجوز أن يتطرق إليها الاحتمال. والآيات القطعية تؤكد هذا. فكان هذا التعريف مطابقًا للواقع قائمًا على دليل مقطوع به. وقد قالوا:"ما دخله الاحتمال بطل به الاستدلال". وأما من يقول بأن الآيات تضمنت اتباع الهوى، فيكون هذا هو المقصود، وهو تفسير لاتباع الظن الوارد في الآية، فتكون الآية ظنية الدلالة. نقول: إن اتباع هوى الأنفس جاء معطوفًا على اتباع الظن بالواو، وهي تفيد المغايرة، فاتباع الهوى غير الظن قطعًا، وأمر زائد عليه، وليس مفسرًا له أو بدلًا منه. وأما من يقول بأن الآيات خوطب بها المشركون، فهي ليست للمسلمين، بل هي تخبر عن أقوام سابقين. نقول لهم:"إن خصوص السبب لا يسقط العموم"، وهذه قاعدة أصولية. ومعظم الأحكام نزلت في مناسبات ولوقائع معينة، ولكنها عامة وإلى يوم القيامة، مثل آية حكم الظهار، فإنها نزلت في حق"أوس بن الصامت"، و آية اللعان نزلت في حق"هلال بن أمية"وآية السرقة نزلت في سرقة المجنّ أو رداء صفوان. وغيرها كثير. وأما من يقول بأن هذا أمر مبتدع في الدين ولم يقل به من السلف إلا بعض علماء الكلام وبعض الغلاة من المعاصرين، نقول له: إن هذا الأمر بحثه عامة علماء المسلمين في كافة الأعصر. فقد قال بهذا الرأي: الإمام العز بن عبد السلام، والإمام القرافي، والإمام النووي، والإمام الغزالي، والإمام السرخسي، والإمام البغدادي، وابن برهان، وابن عبد البر، وابن حجر العسقلاني، ومن المعاصرين الإمام القاسمي، وسيد قطب وغيرهم الكثير. فهل هؤلاء الأئمة لا قيمة لهم أم هم من الضعفاء المغمورين؟! أم أنهم أئمة هذا العلم وجهابذة هذا الفن ويشار إليهم بالبنان؟!.