نقول: ان هذه السورة نزلت في مكة، والرسول صلى الله عليه وسلم كلفه الله بالرسالة وعمره أربعون سنة، أي أن هناك من أهل مكة من كان يبلغ الخامسة والخمسين والستين من عمره والسبعين وقد شهدوا هذه المعجزة، ورأوها رؤية العين، ولو أن الطير لم تأت وجيش أبرهة لم يتم افناؤه في لحظات، لقال هؤلاء الناس: ان هذا الكلام غير صحيح، ولقد كنا موجودين في مكة في هذا الوقت ولم نر طيرا جاءت ولا جيشا أفنى، ولطعنوا بذلك في الاسلام وفي القرآن وفي أنه كلام الله ولكن كون الطير جاء، وكون المعجزة تمت، لم يجرؤ أحد من أعداء الاسلام أن يطعن فيه.
وهكذا يعطينا الحق سبحانه وتعالى دليلا من التاريخ لمعجزة مشهودة حدثت، ويعطينا معها الدليل على صدق حدوثها، فاذا أضفنا الى ذلك ما ذكرناه سابقا عن قوله تعالى:
{ الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون} الروم 1_3.
لوجدنا دليلا تاريخيا آخر، ثم ياتي بعد ذلك دليل ثالث يضاف الى هذه الأدلة التاريخية.
شهادة التاريخ
نلاحظ أن الحق سبحانه وتعالى عندما يذكر في القرآن الكريم شيئا عن حاكم مصر في عصر موسى عليه السلام، كان يسميه فرعون، أي أن الذين حكموا مصر أطلق عليهم القرآن اسم الفراعنة، فيقول تعالى:
{ قال ياقوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون} الزخرف 51.
وهذا يتفق مع التاريخ أن الذين حكموا مصر في العصور القديمة هم الفراعنة، اذن حكام مصر القدامى فراعنة، والقرآن سماهم فراعنة، فاذا أتينا الى سورة يوسف عليه السلام وجدنا أن الله سبحانه وتعالى، وهو يروي لنا قصة يوسف في مصر، لم يلقب حاكم مصر بفرعون، بل لقبه بالملك فقال تعالى:
{ وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي} يوسف 54.
وقوله تعالى: { وقال الملك اني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف} يوسف 43.