فهرس الكتاب
قلت: فلا يقال الطبيب من أسماء الله تعالى؛ لأن من معان الطب؛ الرفق والتداوي والسحر، أي لأنه يوهم نقصا عند تجرده عن الاضافة، والصواب قول: الله طبيبنا.
القاعدة الثالثة
لا يلزم من الاخبار عنه سبحانه وتعالى بالفعل مقيدا أن يشتق له اسم مطلق
قال العلامة ابن القيم الجوزية رحمه الله تعالى:
الثالث: أنه لا يلزم من الإخبار عنه بالفعل مقيدا أن يشتق له منه اسم مطلق كما غلط فيه بعض المتأخرين فجعل من أسمائه الحسنى المضل الفاتن الماكر تعالى الله عن قوله فإن هذه الأسماء لم يطلق عليه سبحانه منها إلا أفعال مخصوصة معينة فلا يجوز أن يسمى بأسمائها. [1]
قلت:
تأتي الصفة على لفظ الفعل، فلا تطلق على الله تعالى إلا على لفظ الفعل، (اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ) ، فلا يصح قول: الله المستهزئ، بل يصح قول: الله مستهزئ بالمنافقين.
وقد تأتي الصفة على لفظ الفعل، وتأتي أيضًا مضافة، مثل: (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ) ، فيصح قول: إن الله خادع للمنافقين، يخدع الله المنافقين، يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ، الله خادع للمنافقين. [2]
قال تَعَالَى: (إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا وَأَكِيدُ كَيْدًا) (الطارق/15 - 16) . فإن نسبة هذا الفعل له تعالى من باب المقابلة (التقييد على سبيل المقابلة والجزاء) كقوله سبحانه وتعالى: (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) (آل عمران/54) ، فلا يجوز أن يشتق له من الفعل المقيد اسما، وإنما يطلق في مقابل فعل العباد؛ لأنه في غير المقابلة لا يليق بالله تعالى، وفي معرض المقابلة فهو في غاية العلم والحكمة والقدرة. وحينئذٍ تدلّ على قدرة فاعلها على مقابلة عدوّه بمثل فعله أو أشدّ، ولهذا لم يذكرها الله من صفاته على سبيل الإطلاق، وإنّما ذكرها في مقابلة صفات أعدائه، ومعاملتهم بمثلها.
فوصف الله تعالى نفسه بأنه - يمكر - ولكن وصفًا مقيدًا بمن - يمكر به - فقال: (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) (الانفال/30) ، فلا يصح أن يقال إن الله ماكر إلا إذا قيد، فيقال: ماكر بمن يمكر به، لأن المكر لا يكون مدحًا إلا حيث كان في مقابل مكر آخر ليتبين به أن قوة الله عز وجل أقوى من قوة هذا الماكر.
قال العلامة ابن القيم الجوزية:(فإن الفعل أوسع من الاسم، ولهذا أطلق الله على نفسه أفعالا لم يتسم منها بأسماء الفاعل [3] ، كأراد، وشاء، وأحدث، ولم يسم بالمريد والشائي والمحدث، كما لم يسم نفسه بالصانع والفاعل والمتقن وغير ذلك من الأسماء التي أطلق على نفسه، فباب الأفعال أوسع من باب الأسماء.
وقد أخطأ - أقبح خطأ - من اشتق له من كل فعل اسما، وبلغ بأسمائه زيادة على الألف، فسماه الماكر، والمخادع، والفاتن، والكائد ونحو ذلك.) [4]
(1) بدائع الفوائد - 1/ ص 285.
(2) انظر غير مأمور: تعليقات على شرح لمعة الاعتقاد/ الشيخ عبد العزيز الراجحي. نسخة الكترونية من المكتبة الشاملة -الإصدار 3.48.
(3) قلت: ان التوقيف على الوصف والفعل؛ هو توقيف على الوصف والفعل فقط، أي ليس توقيفا على الاسم. لذا لا يصح اشتقاق الاسم من الوصف والفعل.
(4) مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين/ محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى 751 هـ) تحقيق محمد المعتصم بالله البغدادي، الناشر دار الكتاب العربي - بيروت، الطبعة الثالثة، 1416 هـ -1996 م.
2/ 383. وانظر غير مأمور: مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة،
مؤلف الأصل: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى 751 هـ)
اختصره: محمد بن محمد بن عبد الكريم بن رضوان البعلي شمس الدين، ابن الموصلي (المتوفى 774 هـ)
تحقيق سيد إبراهيم، الناشر دار الحديث، القاهرة - مصر، الطبعة الأولى 1422 هـ -2001 م، ص 307.