الصفحة 147 من 263

القاعدة التاسعة

أفعال الرب تبارك وتعالى صادرة عن أسمائه وصفاته

قال العلامة ابن القيم الجوزية رحمه الله تعالى:

التاسع: أن أفعال الرب تبارك وتعالى صادرة عن أسمائه وصفاته، وأسماء المخلوقين صادرة عن أفعالهم، فالرب تبارك وتعالى فِعاله عن كماله. والمخلوق كماله عن فِعاله، فاشتقت له الأسماء بعد أن كَمُل بالفعل. فالرب تعالى لم يزل كاملا، فحصلت أفعالُه عن كماله؛ لأنه كامل بذاته وصفاته، فأفعاله صادرة عن كماله كَمُل ففعل، والمخلوق فعل فكَمُل الكمال اللائق به. [1]

قلت:

قال الإمام الحسين بن مسعود البغوي: (وأسماء الله تعالى لا تشبه أسماء العباد، لأن أفعال الله تعالى مشتقة من أسمائه، وأسماء العباد مشتقة من أفعالهم، قال النبي صلى الله عليه وسلم:(يقول الله سبحانه وتعالى: أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها من اسمي) . [2] فبين أن أفعاله مشتقة من أسمائه، فلا يجوز أن يحدث له اسم بحدوث فعله). [3]

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (أن الكسب هو الفعل الذي يعود على فاعله بنفع أو ضر كما قال تعالى:(لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) (البقرة/286) ، فبين سبحانه أن كسب النفس لها أو عليها والناس يقولون: فلان كسب مالا أو حمدا أو شرفا كما أنه ينتفع بذلك، ولما كان العباد يكملون بأفعالهم ويصلحون بها إذ كانوا في أول الخلق خلقوا ناقصين صح إثبات السبب إذ كمالهم وصلاحهم عن أفعالهم، والله سبحانه وتعالى فعله وصنعه عن كماله وجلاله فأفعاله عن أسمائه وصفاته ومشتقة منها كما قال سبحانه وتعالى: (أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها من اسمي) [4] والعبد أسماؤه وصفاته عن أفعاله فيحدث له اسم العالم والكامل بعد حدوث العلم والكمال فيه). [5]

واعلم (أن الكمال ثابت لله بل الثابت له هو أقصى ما يمكن من الأكملية بحيث لا يكون وجود كمال لا نقص فيه إلا وهو ثابت للرب تعالى يستحقه بنفسه المقدسة وثبوت ذلك مستلزم نفي نقيضه؛ فثبوت الحياة يستلزم نفي الموت وثبوت العلم يستلزم نفي الجهل وثبوت القدرة يستلزم نفي العجز) . [6]

أما المخلوق فعل فكَمُل الكمال اللائق به، فالمخلوق كماله من فعاله، فاشتق له الاسم بعد اكتمال الفعل.

مثال: صفة الصديق متى يستحقها المخلوق؟

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (لَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكتب عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا، وَلَا يَزَالُ يَكْذِبُ ويتحرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كذابًا) . [7]

(1) بدائع الفوائد - 1/ ص 286.

(2) قال الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة الحديث/520: (الحديث صحيح عندي) ، وقال: أخرجه أبو داود (1694) والترمذي (1/ 348) .

(3) شرح السنة ـ للإمام البغوى ص 179 - 180.

(4) رواه ابن حبان في صحيحه، وصححه الشيخ الألباني في التعليقات الحسان/444: عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَنَا الرَّحْمَنُ خلقتُ الرَّحِمَ وشَقَقتُ لَهَا اسْمًا مِنِ اسْمِي فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ ومَن قَطَعَهَا بَتَتُّهُ) ، ورواه أبو داود وصححه الشيخ الألباني في صحيح ابي داود/1487، ورواه البخاري في الادب المفرد وصححه الشيخ الألباني في تحقيق الادب المفرد: 52/ 38.

(5) مجموع الفتاوى/ شيخ الإسلام ابن تيمية، 8/ 387.

(6) مجموع الفتاوى/ شيخ الاسلام ابن تيمية، 6/ 71.

(7) رواه ابن حبان في صحيحه، وعلق عليه الشيخ الألباني في التعليقات الحسان/ 272: صحيح

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت