فهرس الكتاب
وإذا شاء العباد أن يعرفوا ربهم فليس لهم سبيل إلى ذلك إلا التعرف عليه من خلال النصوص الواصفةِ له، المصرِّحةِ بأفعاله وأسمائه، كما في آية الكرسي، وآخر سورة الحشر، وسورة الصمد، وغيرها.
2 / أن معرفة الله تدعو إلى محبته وخشيته وخوفه ورجائه وإخلاص العمل له: وهذا هو عين سعادة العبد، ولا سبيل إلى معرفة الله إلا بمعرفة أسمائه وصفاته والتفقه بمعانيها، وأحكامها، ومقتضياتها.
3 / تزكية النفوس وإقامتها على منهج العبودية للواحد الأحد: وهذه الثمرة من أجل الثمرات التي تحصل بمعرفة أسماء الله وصفاته، فالشريعة المنزلة من عند الله تهدف إلى إصلاح الإنسان، وطريقُ الصلاح هو إقامة العباد على منهج العبودية لله وحده لا شريك له، والعلمُ بأسماء الله وصفاته، يعصم ـ بإذن الله ـ من الزلل، ويفتح للعباد أبواب الأمل، ويثبت الإيمان، ويعين على الصبر، فإذا عرف العبد ربه بأسمائه وصفاته، واستحضر معانيها ـ أثّر ذلك فيه أيما تأثير، وامتلأ قلبه بأجل المعارف والألطاف.
فمثلًا أسماء العظمة تملأ القلب تعظيمًا وإجلالًا لله.
وأسماء الجمال والبر والإحسان والرحمة والجود تملأ القلب محبة له، وشوقًا إليه، ورغبة بما عنده، وحمدًا وشكرًا له.
وأسماء العزة، والحكمة، والعلم، والقدرة ـ تملأ القلب خضوعًا وخشوعًا وانكسارًا بين يديه عز وجل.
وأسماء العلم، والخبرة، والإحاطة، والمراقبة، والمشاهدة ـ تملأ القلب مراقبةً لله في الحركات والسكنات في الجلوات والخلوات، وحراسةً للخواطر عن الأفكار الرديئة، والإرادات الفاسدة.
وأسماء الغنى، واللطف، تملأ القلب افتقارًا، واضطرارًا، والتفاتًا إليه في كل وقت وحال.
4 / الانزجار عن المعاصي: ذلك أن النفوس قد تهفو إلى مقارفة المعاصي، فتذكر أن الله يبصرها، فتستحضر هذا المقام وتذكر وقوفها بين يديه، فتنزجر وترعوي، وتجانب المعصية.
5 / أن النفوس طُلعَة، تتطلع وتتشوق إلى ما في أيدي الآخرين، وربما وقع فيها شيء من الاعتراض أو الحسد، فعندما تتذكر أن الله من أسمائه (الحكيم) ، والحكيم هو الذي يضع الشيء في موضعه ـ عندئذٍ تكف عن حسدها، وتنقدع [1] عن شهواتها، وتنفطم عن غيّها.
6 / أن العبد يقع في المعصية، فتضيق عليه الأرض بما رَحُبت، ويأتيه الشيطان؛ ليجعله يسيء ظنه بربه، فيتذكر أن من أسماء الله (الرحيم، التواب، الغفور) ، فلا يتمادى في خطيئته، بل ينزع عنها، ويتوب إلى ربه، ويستغفره فيجده غفورًا توابًا رحيمًا.
7 / ومنها أن العبد تتناوشه المصائب، والمكاره، فيلجأ إلى الركن الركين، والحصن الحصين، فيذهب عنه الجزع والهلع، وتنفتح له أبواب الأمل.
8 / ويقارع الأشرار، وأعداء دين الله من الكفار والفجار، فيجدُّون في عداوته، وأذيته، ومنع الرزق عنه، وقصم عمره، فيعلم أن الأرزاق والأعمار بيد الله وحده، وذلك يُثمر له الشجاعة، وعبودية التوكل على الله ظاهرًا وباطنًا.
9 / وتصيبه الأمراض، وربما استعصت وعزَّ علاجها، وربما استبد به الألم، ودب اليأس إلى قلبه، وذهب به كل مذهب، حينئذٍ يتذكر أن الله هو الشافي، فيرفع يديه إليه ويسأله الشفاء، فتنفتح له أبواب الأمل، وربما شفاه الله من مرضه، أو صرف عنه ما هو أعظم، أو عوضه عن ذلك صبرًا وثباتًا ويقينًا هو عند العبد أفضل من الشفاء.
10 / أن العلم به تعالى أصل الأشياء كلها: حتى إن العارف به حقيقة المعرفة يستدل بما علم من صفاته وأفعاله على ما يفعله ويشرعه من الأحكام؛ لأنه لا يفعل إلا ما هو مقتضى أسمائه وصفاته؛ فأفعاله دائرة بين العدل، والفضل، والرحمة، والحكمة.
11 / أن من انفتح له هذا الباب ـ باب الأسماء والصفات ـ انفتح له باب التوحيد الخالص، الذي لا يحصل إلا للكُمّل من الموحدين.
(1) قلت: قال ابن منظور في لسان العرب: قدع: القَدْعُ: الكَفُّ والمَنْعُ. قَدَعَه يَقْدَعُه قَدْعًا وأَقْدَعَه فانْقَدَعَ وقَدِعَ إِذا كَفَّه عَنْهُ.