فهرس الكتاب
(يعني أن هؤلاء النافين لصفات الأفعال ممن اعتبروها نسبا وإضافات لا تقوم بالذات، جعلوا مورد التقسيم هو الوصف، فقالوا أن الوصف إما وصف معنى قائم بالذات، وإما وصف فعل لا يقوم بها، وذلك ليتأتى لهم على هذا التقسيم اعتبار بعض الصفات قائما بالذات، وبعضها غير قائم بها.
و لكن الحق أن مورد القسمة هو نفس ما يقوم بالذات، فيقال:
أن ما يقوم بالذات ويكون وصفا لها:
إما أن يكون صفة معنى لازما للذات.
وإما أن يكون صفة فعل.
والوصف بالفعل يستدعي قيام الفعل بالموصوف، كالوصف بالمعنى سواء بسواء، فإذا كان وصفه سبحانه بأنه عليم، قدير، حي، الخ يقتضي قيام العلم والقدرة والحياة به، فكذلك وصفه بأنه خالق أو رازق أو مقدم أو مؤخر يقتضي قيام هذه الأفعال من الخلق والرزق والتقديم والتأخير ونحوها به). [1]
(ومن قال الصفات تنقسم إلى صفات ذاتية وفعلية ولم يجعل الأفعال تقوم به فكلامه فيه تلبيس فإنه سبحانه لا يوصف بشيء لا يقوم به. وإن سُلم أنه يتصف بما لا يقوم به فهذا هو أصل الجهمية الذين يصفونه بمخلوقاته ويقولون إنه متكلم ومريد وراض وغضبان ومحب ومبغض وراحم لمخلوقات يخلقها منفصلة عنه لا بأمور تقوم بذاته) . [2]
مثال من الكتاب والسنة على وصف الفعل لله تعالى
الفعل: أخر
وصف الفعل: التأخير
قال تعالى: (وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا) (المنافقون/11) ، وقال سبحانه: (إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ) (إبراهيم/41) .
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (أعذر الله إلى امرئ أخر أجله حتى بلغ ستين سنة) ، رواه الإمام البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه.
ومن أسمائه سبحانه وتعالى المقدم والمؤخر، من قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي وَجَهْلِي وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي كُلِّهِ وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطَايَايَ وَعَمْدِي وَجَهْلِي وَهَزْلِي وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) . [3]
قال العلامة ابن القيم الجوزية: (كل اسم من أسمائه سبحانه له صفة خاصة، فإن أسماءه أوصاف مدح وكمال، وكل صفة لها مقتضى وفعل) . [4]
(1) شرح القصيدة النونية/ الناظم شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى 751 هـ) ، شرحها الدكتور محمد خليل هراس (المتوفى 1395 هـ) ، الناشر دار الكتب المنهاج - جمهورية مصر العربية، الطبعة الأولى، 1424 هـ، 2/ 132. وانظر غير مأمور: النفي في باب صفات الله عز وجل/ الأستاذ أبي محمد أرزوقي بن محمد سعيداني، الناشر دار المنهاج، الرياض، الطبعة الأولى، 1426ھ، ص 57.
(2) شرح العقيدة الأصفهانية/ شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس، تحقيق إبراهيم سعيداي، الناشر مكتبة الرشد - الرياض، الطبعة الأولى، 1415ھ، ص 90. قلت: مثال ذلك قول المعتزلة بخلق القران الذي هو كلام الله تعالى. وانظر غير مأمور: مجموع الفتاوى/ شيخ الإسلام ابن تيمية، 6/ 144 - 150.
(3) رواه الشيخان البخاري في صحيحه/ 6398 واللفظ له، ومسلم في صحيحه / 2719 عن أبي موسى رضي الله عنه.
(4) مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين/ العلامة محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى 751 هـ) ، تحقيق محمد المعتصم بالله البغدادي، الناشر دار الكتاب العربي - بيروت، الطبعة الثالثة، 1416 هـ - 1996 م، 1/ 419.