فهرس الكتاب
ثم قال: وأيضا فإنه لا يحتاج إلى نفي علم الكيفية. إذا لم يفهم عن اللفظ معنى، وإنما يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا أثبتت الصفات.
وأيضا: فإن من ينفي الصفات لا يحتاج إلى أن يقول: (بلا كيف) ، فمن قال: إن الله ليس على العرش؛ لا يحتاج أن يقول: (بلا كيف) ، فلو كان مذهب السلف نفي الصفات في نفس الأمر لما قالوا: (بلا كيف) .
وأيضا: فقولهم (أمروها كما جاءت) يقتضي إبقاء دلالتها على ما هي عليه، فإن هذه الألفاظ جاءت دالة على معاني، فلو كانت دلالتها منتفية لكان الواجب أن يقال: (أمرّوا لفظها مع اعتقاد أن المفهوم غير مراد) أو (أمروا لفظها مع اعتقاد أن الله لا يوصف بما دلّت عليه حقيقة ) ) . [1]
أما قول الإمام أحمد في حديث النزول: (نؤمن بها ونصدق، لا كيف، ولا معنى) .
فإن (المعنى الذي نفاه الإمام أحمد في كلامه هو المعنى الذي ابتكره المعطلة من الجهمية وغيرهم، وحرّفوا به نصوص الكتاب والسنة عن ظاهرها إلى معاني تُخالفه.
ويدلّ على ما ذكرنا أنه نفى المعنى، ونفى الكيفية؛ ليتضمن كلامه الردّ على كلتا الطائفتين المبتدعتين: طائفة المعطلة وطائفة المشبهة.
ويدلّ عليه أيضًا ما قاله المؤلف [2] في قول محمد بن الحسن: (اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاءت بها الثقات عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، في صفة الربّ عزّ وجل من غير تفسير، ولا وصف، ولا تشبيه) . [3]
قول السلف: بائن من خلقه
يجد الناظر في كلام جماعةٍ من السلف في إثبات صفة الاستواء لله تعالى على عرشه كما يليق به سبحانه وتعالى، قولهم: (مستو بذاته على عرشه، بائن من خلقه) .
ولفظ: (بائن من خلقه) ، عزاه أبو نعيم الأصبهاني المتوفى سنة (430 هـ) إلى السلف فقال: (طريقتنا طريقة السلف المتبعين للكتاب والسنة وإجماع الأمة، ومما اعتقدوه: أن الله لم يزل كاملًا بجميع صفاته القديمة .... ) ، إلى أن قال: (وأن الأحاديث التي ثبتت في العرش، واستواء الله عليه يقولون بها، ويثبتونها من غير تكييف، ولا تمثيل، وأن الله بائن من خلقه، والخلق بائنون منه، لا يحل فيهم، وهو مستو على عرشه في سمائه من دون أرضه) ، انتهى مختصرًا. [4]
وقال العلامة الألباني رحمه الله تعالى: (أن هاتين اللفظتين(بذاته) ، (وبائن) لم تكونا معروفتين في عهد الصحابة رضي الله عنهم، لكن لما ابتدع الجهم وأتباعه القول بأن الله في كل مكان، اقتضى ضرورة البيان أن يتلفظ هؤلاء الأئمة الأعلام بلفظ (بائن) دون أن ينكره أحد منهم). [5]
ومعنى قول السلف: (بائن من خلقه) ، يعني عدم الحلول وعدم الامتزاج، لهذا فسرها بعضهم بقوله: (بائن من خلقه بحد) ، يعني أن هناك حدا يمنع حلوله جل وعلا في خلقه أو اختلاطه في خلقه؛ بل هو جل وعلا بائن منه، لا
(1) رسالة السجزي إلى أهل زبيد في الرد على من أنكر الحرف والصوت/ عبيد الله بن سعيد بن حاتم السجزيّ الوائلي البكري، أبو نصر (المتوفى 444 هـ) ، تحقيق محمد با كريم با عبد الله، الناشر عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، المملكة العربية السعودية، الطبعة الثانية، 1423 هـ/2002 م، حاشية 1، ص 268 من كلام المحقق.
(2) قلت: أي شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتوى الحموية.
(3) فتح رب البرية بتلخيص الحموية/ الشيخ محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى 1421 هـ) ، الناشر دار الوطن للنشر، الرياض، ص 36.
(4) مختصر العلو للعلي العظيم/ شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز الذهبي (المتوفى 748 هـ) ، حققه واختصره محمد ناصر الدين الألباني، الناشر المكتب الإسلامي، الطبعة الثانية 1412 هـ-1991 م، ص 261.
(5) المصدر السابق، ص 17.