الصفحة 98 من 263

قول السلف: أمروها كما جاءت

قول السلف: (أمروها كما جاءت) ، وقال بعضهم: (تجرى على ظاهرها) ، وفي رواية لبعضهم: (أمروها كما جاءت بلا كيف) ، وفي رواية [1] : (أمروها كَمَا جَاءَت وردوا علمهَا إِلَى قَائِلهَا وَمَعْنَاهَا إِلَى الْمُتَكَلّم بهَا) ، وإجراؤها على ظاهرها ليس راجعا إلى لفظ، وإنما يرجع إلى اللفظ والتركيب جميعا، فإجراء الكلام على ظاهره يعني ما تفهمه من الكلام على ظاهره، والكلام هذا قد يكون كلمة وقد يكون جملة، فإذا قلنا بهذا فلا احتياج إلى إدخال التأويل في نصوص الغيبيات أصلا.

ومعنى (أمروها كما جاءت) ، يعني بما دلّ عليها ظاهرها، وظاهرها يدل على إثبات الصفة، لهذا قال (أمرّوها كما جاءت) ردّ على المعطلة، لأن المعطلة هم نفاة الصفات الذين يُخلون الله عز وجل من صفات الجلال والجمال.

ومعنى (بلا كيف) ، حتى لا يتوهم أن ظاهرها فيه الكيفية، فإثبات الصفات إثبات معنى لا إثبات كيفية.

ومما اتفق عليه السلف من الأئمة في الدين وعلماء المسلمين في معنى (أمروها كما جاءت) على وجهين:

الوجه الأول: أن قولهم (أمروها كما جاءت) : يعني بلا تفسير، فالأصل أنّ الصفات الواردة في الكتاب والسنة الصحيحة لا تفسر؛ بل تُمر كما جاءت؛ معانيها معلومة.

الوجه الثاني: في معنى قولهم (أمروها كما جاءت) : أن هذا الإمرار وعدم الدخول في الكيفية ولا في بحث المعاني التي ادَّعاها المبتدعة، ولهذا قال طائفة من أهل العلم: (أمروها كما جاءت لا كيف ولا معنى) ، وهذا القول - أمروها كما جاءت لا كيف ولا معنى - موافق لأمروها كما جاءت؛ لأن نفي الكيفية يراد به الكيفية التي ادعاها المجسمة في نصوص الصفات، ونفي المعنى لا كيف ولا معنى هو المعنى التأويلي الذي صرف معاني الصفات إليه أهل البدع، فقولهم لا كيف ولا معنى يعني لا كيف كما كَيَّفَهُ المجسمة ولا معنى كما ادعاه المؤولة، وهو موافق لقولهم: (أمروها كما جاءت) . [2]

(وهذا هو مذهب أهل الحق من سلف هذه الأمة وخلفها، وقد ثبت عن أئمة السلف رحمة الله علينا وعليهم أنهم قالوا في أحاديث الصفات:(تمر كما جاءت ولا يفسر شيء منها) بمعنى لا يكيف.

فهذا سفيان بن عيينة يقول؛ وقد سئل عن أحاديث العجب والضحك: (هي كما جاءت نقر بها، ونحدث بها بلا كيف) .

وقال الوليد بن مسلم: سألت الأوزاعي ومالك بن أنس وسفيان الثوري والليث ابن سعد عن هذه الأحاديث التي فيها الرؤية وغير ذلك فقالوا: (امضها بلا كيف) .

وقد ثبت عن الإمام مالك بن أنس وشيخه ربيعة بن أبي عبد الرحمن قولهم في الاستواء: (الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب) .

ومقصود السلف رحمهم الله بقولهم: (أمروها كما جاءت بلا كيف) : إثبات حقيقة معاني ألفاظها والإيمان بها، مع نفي علمهم بكيفيتها. وليس المقصود أنهم يؤمنون باللفظ من غير فهم لحقيقة معناه. فهم يفهمون حقيقة معاني هذه الألفاظ الواردة في الصفات: كالاستواء والضحك ويؤمنون بذلك على ما يليق بالله سبحانه وتعالى، ويفوضون في الكيفية فقط.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتوى الحموية:

ولو كانوا يؤمنون باللفظ المجرّد من غير فهم لمعناه لما قالوا: الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول) ولما قالوا: (أمروها كما جاءت بلا كيف) ، فإن الاستواء حينئذ لا يكون معلوما بل مجهول.

(1) قلت: وهو قول الشيخ ابن قدامة المقدسي، وقد تقدم.

(2) شرح الفتوى الحموية الكبرى/ للشيخ صالح آل الشيخ، وللشيخ عبد العزيز الراجحى، بمجلد واحد، الناشر دار ابن الجوزي، مصر - القاهرة، الطبعة الأولى، 1427 هـ - 2007 م، ص 125 و 133 و 396؛ بشرح الشيخ صالح آل الشيخ، بتصرف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت